[ ١١٧ ]
لنا في هذا المبحث عدة وقفات:
الوقفة الأولى: أن القرآن الكريم عمومًا (^١)، وسورة البقرة خصوصًا، اشتملت على كثيرٍ من الفوائد، والعلوم العامة والخاصة، فكان من الأمور التي اهتمت بها، فقه القلوب ووظائفها، وأنواعها وتفاصيلها، بل وجعل أنواع القلوب مقياسًا لأصناف البشر (^٢)، والذي هو ركن من أركان الإيمان (^٣).
وما كان هذا المبحث إلا جزءًا يسيرًا جدًّا، من اهتمام تلك السورة العظيمة بموضوع القلوب.
على سبيل المثال، لو نظرنا إلى الآيات التي في بداية السورة الكريمة، سوف نجدها تتكلم عن أعظم أعمال القلوب، وهو اليقين (^٤)، يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى
_________________
(١) انظر الضوء المنير على التفسير (١/ ١٤٣).
(٢) بمعنى قلب مختوم عليه، قلب منافق وكافر، قلب أغبش، قلب عاصي، قلب منير، قلب مؤمن، وهكذا، علمًا أن هذه الأصناف، حتى يقيس الإنسان بها نفسه أولًا.
(٣) الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق العلامة الألباني يرحمه الله (٣٢٢).
(٤) واليقين أعلى درجات الإيمان (حاشية الكتاب)، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين يرحمه الله (٢/ ٧٨).
[ ١١٩ ]
لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
هذا غير الاهتمام بالقلوب وأنواعها بين طيات السورة الكريمة، فقد جاء في قوله تعالى في آيات كريمات تذكر في طياتها القلوب وأعمالها والحديث عنها:
١ - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ قلوب مختومة.
٢. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ قلوب مريضة.
وكما أنه جاء الاهتمام بالقلب في هذه السورة العظيمة سورة البقرة، فقد ذكر من ضمن هذه الاهتمامات أمور متعلقة بالقلب وأسراره أيضًا، ومن وهذه الأمور الرؤية القلبية.
الوقفة الثانية: أن هناك أمورًا اختص الله بها رسول الله - ﷺ - مثل موضوع الرؤية القلبية، والتي جاءت في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها آيات في سورة البقرة، كما جاء ذلك أيضًا في سورٍ أخرى، وفسرها المفسرون بـ ألم تر بقلبك يا محمد (يعني الرؤية هنا رؤية قلبية).
[ ١٢٠ ]
والله جل وعلا وتقدس كما أنه وهب نبيه الرؤية القلبية -بدلالة الآيات السابقة- كذلك وهب أمته جزءًا يسيرًا مما اختص به نبيهم ورسولهم - ﷺ - (^١)، وهذا المغزى من الاستشهاد بهذه الآية، إذ إن الأمر توجيه لأمته - ﷺ - أيضًا.
مثالًا على ذلك:
النبوة التي كلف الله بها نبيه - ﷺ -، نجد أنه يقابلها جزء متجزئ لأمته ونصيب منها، والمتمثلة بالرؤيا الصالحة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، في معرفة الأمور الغيبية (^٢)، وبالطبع وكما هو معلوم الدين بالضرورة، أن هذا لا يدخل فيه الأحكام بتاتًا (^٣).
_________________
(١) على سبيل المثال ما قاله ابن عاشور يرحمه الله في تفسيره قوله تعالى سورة الانعام ﴿يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا قَرْنًا﴾ (والرؤية يجوز أن تكون قلبية) التحرير والتنوير (٧/ ١٣٧).
(٢) عند مسلم (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) حديث رقم [٢٢٦٣]، ويقول الحافظ ابن حجر يرحمه الله في كلامه عن الاهتمام بالرؤيا: (لما تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات) فتح الباري (١٢/ ٤٣٧).
(٣) يقول الإمام ابن حزم يرحمه الله في كتابه المحلى: (الشرائع لا تُؤْخَذ بالمنامات) (ص/٦٥٠)، وانظر فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله، للشويعر (٢/ ٣٨٥).
[ ١٢١ ]
وأيضًا هي جزء من الوحي (^١)، فلعل الأمر في الرؤية القلبية المذكورة في الآيات، في سورة البقرة، تلميح أن أمته لها نصيبٌ من تلك الرؤية القلبية التي وهبها الله لنبيه - ﷺ -، كما أن ذلك في الرؤيا الصالحة والتي دلت عليها أحاديث كثيرة، أنها جزء من النبوة، وحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) (^٢) يبين ذلك.
فسميت نبوة، مع أن من يراها هو من أمته - ﷺ - في الأغلب (^٣).
وأن من أقسام الخطاب في القرآن الكريم (^٤)، ما هو لنبيه - ﷺ -، ومنها ما هو لأمته - ﵇ -، والآية التي تذكر بين جنبيها موضوع الرؤية القلبية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي
_________________
(١) يقول الإمام القرطبي يرحمه الله في موضوع الرؤيا: (المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فأُكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب الخ، فتح الباري (١٢/ ٣٦٢).
(٢) صحيح البخاري (٩/ ٣١) حديث رقم [٦٩٩٠].
(٣) ومن رآها وهو غير مؤمن، فهي تزكية للرؤى وليس للرائي، وهي أيضًا، أن رحمة الله تعم الجميع فمن الممكن أن يراها.
(٤) نقل كلام ابن الجوزي يرحمه الله من كتابه (النفيس) أكثر من ثلاثين نوع، ومنها خطاب الله لرسوله - ﷺ -، النفيس كتاب مفقود، ولكن نقل عنه السيوطي يرحمه الله في الإتقان فهو المرجع (٣/ ١٠٩)، وانظر تفسير جزء عمّ، للعلامة ابن عثيمين يرحمه الله (ص ١٥٦).
[ ١٢٢ ]
إِسْرَائِيلَ (٢٤٦)﴾ واضحٌ فيها، أن السياق، سياق له ولأمته - ﷺ -، ويتأكد هذا إذا نظرنا للآيات السابقة واللاحقة، ويتأكد أكثر أن السرد فيه قصص من الماضي الذي حدث، ولم يشهدها رسول الله - ﷺ -، وكم هي كثيرة تلك القصص التي لم يعِشها الرسول - ﷺ - زمنيًّا، ولكنه عاشها وجدانيًّا، يقول الرازي: إنه تعالى وتقدس يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد، ومزيد الخضوع والانقياد فقال: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) (^١)، مثال آخر، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ (١)﴾ (^٢)، فالخطاب عام مع الكل على وجهٍ يدخل فيه النبي - ﷺ - وغيره من الأمة، وتخصيص النبي - ﷺ - في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له (^٣).
ويقول الرازي: (هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي - ﷺ - إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه، كقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن
_________________
(١) مفاتيح الغيب (٦/ ٤٩٥)، وانظر تفسير النيسابوري (١/ ٦٦٠).
(٢) سورة الطلاق.
(٣) الأحكام للآمدي (٢/ ٢٦٢).
[ ١٢٣ ]
لعدتهن) (^١)، وهذا مثال فقط، وإلا فالموضوع له كتبه المتخصصة.
الوقفة الثالثة: أن سورة البقرة ذكرت أنواع الرؤية القلبية بين طياتها، ومنها الرؤى المنامية، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ يستحيي نساءكم، ما هو سبب هذا الفعل؟ هو بسبب رؤيا رآها فرعون، ذُكرت في كتب التاريخ.
ذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناسٍ من الصحابة ﵃: أن فرعون رأى في منامه، كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر، وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
_________________
(١) مفاتيح الغيب (٦/ ٤٩٥)، وانظر تفسير الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله لسورة البقرة (٣/ ٢٠٥)، وانظر أيضًا تفسيره جزء عمّ (٢١٩).
[ ١٢٤ ]
أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان. انتهى كلامه (^١).
ومن الرؤية القلبية أيضًا الاستخارة، فهي من النفل، وقد جاء ذكرها متضمنًا في قوله تعالى: (يقيمون الصلاة)، يقول الإمام ابن عاشور: (أي الذين يقيمون الصلوات الخمس المفروضة ويتقربون بالنوافل)، والاستخارة من النوافل (^٢)، وهي من أدوات الرؤية القلبية، وبذلك يتضح أن سورة البقرة، اشتملت على أنواع من الرؤية القلبية.
الوقفة الرابعة: أن الرؤية القلبية تحتاج إلى درجة كبيرة من الإيمان، لذلك جاء ذكر المتقين في بداية سورة البقرة، والتقوى من الأعمال القلبية.
الوقفة الخامسة: أن الأعمال تقسم إلى أعمال قلوب، وأعمال جوارح، ويقاس ذلك أيضًا، على أقسام الرؤية، فهي رؤية قلبية، ورؤية جوارح بالعين المجردة.
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ٩١)، ومضة، وهذا تبعات سؤال من لا يفقه في تفسير الأحلام، يجعلون الرؤيا حلم، والحلم رؤيا ويخلطون بين الأمور.
(٢) التحرير والتنوير (٦/ ٢٤٠).
[ ١٢٥ ]