مدخل إلى موضوع الفصل
تأصيل الرؤية القلبية
[ ١٠٧ ]
بدايةً نتبارك بنقل حديث رسول الله - ﷺ -، حتى يكون مراد البحث واضحًا في هذا الشأن، والذي يتجلى فيه الرؤية القلبية بوضوحٍ صريحٍ لا يقبل الجدل.
في حديثٍ طويلٍ سأل جبريل - ﵇ - رسول الله - ﷺ - عن الإحسان، فقال - ﷺ - (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (^١).
الشاهد من الحديث الشريف قوله - ﷺ - أن تعبد الله كأنك تراه
ومن هنا يأتي السؤال عن ماهية تلك الرؤية، كيف نرى الله - ﷿ -؟ هل رؤيته - ﷿ - بالعين المجردة؟ ! !
وكيف يكون ذلك؟
لا يمكن تصور أن رؤيته - ﷿ - وتعالى وتقدس تكون بالعين المجردة بتاتًا، فهذا العضو الجارح لم يصل إلى هذه المرحلة، الضعيف المحدود القدرات، لا ولن يصل ولا يستطيع رؤية مثل هذه الأمور، ولا يستطيع تخيل أي شيء، إلا إذا كان محسوسًا أمامه في عالم الدنيا، ولن يصل لمرحلة رؤية الله - ﷿ -، فهي مرحلة بحاجة إلى أمرٍ آخر لا تستطيعه الأجزاء العضوية في الإنسان (قلب عقل عين)، لأن
_________________
(١) مقطع من حديث طويل، في صحيح مسلم (١/ ٣٦) حديث رقم [٨] والحديث عند البخاري أيضا.
[ ١٠٩ ]
عالمها لا يسمح بذلك، فهي مادية بحتة، ورؤية الله - ﷿ -، لا تكون إلا في عالمه - ﷿ - في الجنة.
وحتى يزداد الأمر وضوحًا، سوف نسرد أقوال العلماء المعاصرين في شرح المقطع السابق من الحديث الصحيح، يقول الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله: ولكن تراه بقلبك حتى كأنك تراه بعينيك (^١).
ويقول الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله: المؤمنون المتقون يرون ربهم ﷾ بقلوبهم قبل يوم القيامة (^٢).
وحقيقة الإحسان: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه (^٣).
حتى إن الشيخ صالح الفوزان قال في شرحه عن الإحسان: بأن يبلغ بك اليقين والإيمان بالله كأنك تشاهد الله عيانًا، ليس عندك تردد أو أي شك، بل كأن الله أمامك ﷾، تراه عيانًا (^٤)، يعني جعل الإحسان ببلوغ اليقين.
الخلاصة: (أن هناك مصطلح يسمى الرؤية القلبية بمعنى أن القلب له رؤية يختص بها).
_________________
(١) شرح الأصول الثلاثة للفوزان (ص ٢٢٢).
(٢) شرح العقيدة السفارينية (١/ ٤٨٢).
(٣) العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين لحسين بن غنّام، (ص ٥٤).
(٤) شرح الأصول الثلاثة للفوزان (ص ٢٢٢)، قلت يعني اليقين والإحسان مربوطان ببعضهما.
[ ١١٠ ]
وما الرؤية القلبية التي فصلنا فيها سابقًا، إلا قسمٌ من أقسامها، والموضوع متشعب، وبقدر كبير جدًّا، لعل صفحات هذا الكتاب لا تسعه، ولكن كانت تلك الفوائد مدخلًا مختصرًا لما نريد الحديث عنه.
[ ١١١ ]