قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾
يفسر الإمام الطبري يرحمه الله ألم تر بقوله: ألم تعلم يا محمد، وهو من رؤية القلب لا رؤية العين؛ لأن نبينا محمدًا - ﷺ - لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، ورؤية القلب: ما رآه وعلمه به، فمعنى ذلك: ألم تعلم يا محمد الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف (^١).
ويفسره أيضًا الإمام القرطبي (^٢) بنفس تفسير الإمام الطبري عليهم رحمة الله جميعًا.
تعددت الروايات التي تحكي قصة هذه الآية الكريمة، ومنها ما أورده الإمام البغوي -يرحمه الله-
_________________
(١) تفسير الطبري عالم الكتب (٤/ ٤١٣).
(٢) القرطبي مؤسسة الرسالة، هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم (٤/ ٢٠٩).
[ ١٣٥ ]
في تفسيره (^١). والعجيب أن الله - ﷿ - ذكر أن عددهم كبير كناية على كثرتهم، ما يوحي بعظم الأمر.
من الدروس المستفادة لنبينا وسيدنا محمد - ﷺ - ولأمته من هذه الآية:
١ - كيف أن الله يرسل على يد أنبيائه المعجزات، فكما أن لهم معجزات، أيضًا كان لك من المعجزات، ولكل زمن معجزات تناسب حال زمانهم، لذلك جاء قوله تعالى في الآية رقم ٢٥٣ من سورة البقرة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، وأن الله تعالى هو من بيده الحياة والموت، بيده كل شيء، وكل شيء عليه هين، وكيف أن الأنبياء رحماء بقومهم.
_________________
(١) قال أكثر أهل التفسير: كانت قرية يقال لها: داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون، فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها، وخرجوا حتى نزلوا واديًا أفيح، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فماتوا جميعًا (١/ ٢٩٢).
[ ١٣٦ ]
٢ - هؤلاء القوم أماتهم الله ثم أحياهم؛ ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه (^١)، فليفعل الإنسان ما بوسعه ولا يعترض على أقدار الله، ولا يخشى شيئًا إلا الله، وأن أمور الابتلاء يجب أن تكون بالتسليم والرضا، فقد تم الأمر، لا نقول لو ولو، فقد نهينا عن ذلك (^٢)، ومنها أيضًا لا تكونوا مع نبيكم كما كان هؤلاء الذين من قبلكم مع نبيهم فعصوه.