فيا ترى ما الذي ترمز إليه جملة أحد عشر، وهل ترمز لعدد إخوته فقط؟
﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ ما فوق العشرة، أو العشرة وما فوقها وحتى العدد الأربعين، في اللغة يعني العصبة (^١).
وأقرب الأقوال في مقدارها قول الإمام مجاهد - يرحمه الله: إنه من عشرة إلى خمسة عشر (^٢).
ورمز العصبة رمز قوي وله دلالات كثيرة، وبداية لا يستهان بها للتعرف على أسرار ومكنونات رؤيا يوسف ﵇ ولا سيما أن هذا الرمز جاء في بداية الرؤيا، وهو رمز يخص إخوة يوسف.
ومما يعنيه هذا الرمز أن إخوة يوسف ﵇ كانوا يدًا واحدة متكاتفين مع بعضهم متعصبين لأنفسهم (^٣)، فلعبهم وأكلهم وذهابهم وإيابهم كل ذلك يكون وهم سويَّة.
_________________
(١) لسان العرب (٩/ ٢٣٣).
(٢) انظر: التحرير والتنوير (٢٠/ ١٧٧).
(٣) وقد تنبه لهذا المعنى الإمام البغوي - يرحمه الله تعالى - حيث يقول في معنى العصبة: جَمَاعَةٌ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّفَرِ وَالرَّهْطِ. انظر: تفسيره (٢/ ٤١١). وذكر صاحب الكشاف: سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور، = واتفق معه الإمام الرازي في التفسير الكبير (١٨/ ٧٤)، وزاد صاحب الكشاف: ويستكفون النوائب (٢/ ٤٢١).
[ ٨٧ ]
وقوع معنى رمز العصبة (المستنبط من جملة أحد عشر) على لمحات من قصة يوسف ﵇:
وبالاستقراء لقصة يوسف ﵇ نجد أن إخوته كانوا عصبة عليه (أي ضده)، بمعنى أنهم جميعهم كانوا متفقين على كرهه، وبين طيات السورة الكريمة تجد ذلك واضحًا، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^١) وقوله تعالى: (إذ قالوا) (يعني: كلهم؛ فقالوا تستعمل للجمع دون الفرد)، والعجيب أن أحدًا لم يعارض ذلك، كلهم يفكرون تفكيرًا واحدًا، فهم عصبة، والسياق القرآني دقيق جدًّا، فجاء بلفظ قالوا على تعاونهم جميعًا، ولم يذكر في قصة يوسف أن أحدًا من إخوته كان على خلاف هذا التفكير الذي كان يتوجه للانتقام من يوسف ﵇ بطريقة أو بأخرى، والغاية عندهم إبعاد يوسف عن أبيهم بأية وسيلة.
وآية أخرى تظهر لنا التزامهم بالتنكيل بيوسف ﵇ بالكذب على أبيهم؛ يقول تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٨).
[ ٨٨ ]
عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (^١) وهنا أيضًا جميعهم اتفقوا عليه، ولاحظ كلمة عصبة التي تعني العدد الذي يساوي العشرة فأكثر، وقد تكررت مرتين في هذه السورة الكريمة، في الآية السالفة الذكر، وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢)، لو كان عدد إخوة يوسف ﵇ أقل من العشرة أو الأحد عشر كما جاء في بداية رؤياه ﵇، لما استُعملت لفظة عصبة، ولكانت لفظة أخرى تنوب عنها، لكن القرآن دقيق جدًّا فسبحان من أنزله.
والذي يتمعن ويستقرئ القصة يجد أن إخوة يوسف ﵇ حتى في تجارتهم كانوا مع بعضهم يسافرون سويًّا من شدة تمسكهم ببعضهم بعضًا، ولم تذكر الآيات الكريمة شيئًا على حزنهم لفراقهم لأخيهم يوسف ﵇ ولم يتذكروه، وذلك من شدة حسدهم له وسعادتهم باختفائه عن أبيهم.
ويجدر بالذكر هنا التنبيه على أن يكون الإنسان محتاطًا عندما يعاشر الأشخاص الجدد أو الجماعات التي لها وقت مع بعضهم بعضًا، وتحمل فكرًا معينًا سيكون هو دخيلًا عليهم، وستكون لهم مبادئ غير
_________________
(١) سورة يوسف الآية (١٤).
(٢) سورة يوسف الآية (٨).
[ ٨٩ ]
مبادئه، وتفكيره غير تفكيرهم، مما سيجعل احتواءهم صعبًا، والتفاهم معهم أبعد ما يكون، فيحصل ما لم يكن بالحسبان من إسقاطه والعداوة له، وكثيرٌ من الأمور التي تعبر عن عدم رضاهم عنه.
ومن هنا يتبين لنا أن الرؤيا دلت على تحذير مما سيتعرض له يوسف من إخوته، وأنه ستكون عداوة فيما بعد، وهذا فقط باستقراء الإشارت في قوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾، والذي يرمز للعصبة. وإن قال قائل: لماذا لم ينبه يعقوب ﵇ ابنه يوسف لعلمه من رؤياه أنه سوف يصيبه ضرر من إخوته؟
وقد كان ذلك لعدة أمور لعل منها:
أن تعبير الرؤيا بالظن، والظن يخطئ ويصيب (^١)، ولعله خشي من الخصومة بين الإخوة، ولعل ذلك خلاف المصلحة، فلم يحذر يوسف ﵇ مما سوف يحصل له، وياليت أن يتنبه مفسرو الرؤى لهذه النقاط، فلا يفسرون الشيء السيئ، ولا ما يفرق بين الزوجة وزوجها، والأخ وأخيه، والله المستعان.
ولعل من أسباب عدم وضوح تعبير يعقوب لرؤيا يوسف ﵇ أن فيها أمورًا لا يوجد لها محملٌ حسنٌ (^٢). ولنا وقفة مع قياس
_________________
(١) بينا ذلك بإسهاب في كتابنا هذا ص (٣٥).
(٢) تقدم معنا ص (٣٥).
[ ٩٠ ]
تعبير رؤيا يوسف على المحمل الحسن لملك مصر، وأيضًا بعض الأحاديث التي تدل على ذلك، وهذا دليل على أن الرؤيا لا تعبر إلا على المحمل الحسن استشفافًا من كلام ربنا ﷿.
وجود الرمز أحد عشر في الرؤيا، يدل أنه لا بد على يوسف ﵇ أن يكون حذرًا في التعامل مع إخوته، وهذا الذي لم يكن منه ﵇ فكان تعامله مع إخوته على سجيته؛ لبراءته وطفولته وطيب نفسه ليقضي الله أمر كان مفعولًا، فهو رضي بالذهاب معهم ولم يعترض، وكان سعيدًا بذلك لحبه لإخوته، لكن الأمر كان واضحًا ليعقوب ﵇ بتفاصيل أكثر وأعمق.
وكثير من الدلالات توحي أنه كان يخاف من حدوث شيء ما ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^١).
ولعل هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت يعقوب ﵇ ينصح يوسف ﵇ بألا يقص رؤياه على إخوته، وفي نفس الوقت هو لم يفصل في تعبيرها لأنها تدل على أن إخوته سوف يكونون عصبة ضده فيعرف يوسف ﵇ نواياهم كخطوة استباقية للأحداث التي كانت منهم، وبمجرد معرفتهم لهذه النقطة سيزيد ذلك من حقدهم عليه، ولو عبرت الرؤيا سيتبين من تعبيرها أنه عرف نواياهم وعرف قدر الحسد الذي
_________________
(١) سورة يوسف الآية (١٥).
[ ٩١ ]
يحملونه عليه ﵇ ومع هذا الحسد المتجذر في نفوس إخوته لابد أن يحصل أمرٌ يخشى منه، ولعل الأمر إذا اتضح ليوسف وفصل يعقوب ﵇ في تعبيره لما يؤول إليه الحال مع إخوته، لعل هذا يجعل يوسف في حيرة من أمره، وفي صراع نفسي وعدم ارتياح، ويَقوَى الاحتمال الأول إذا علمنا أن الحاسد إذا عرف أنك تعرف أنه يحسدك، وقد تعرفت على طرقه للوشاية بك، يجعله يأخذ أسلوبًا آخر في التعامل معك، يتلوى به، ويكون أسلوبًا أشد مما كان يفكر فيه من قبل، فبدلًا من أن يضيعك أو يضايقك، يكون أسلوبه في التنكيل أشد، مثل التفكير بأن يسحرك، أو يتخلص منك بالقتل مثلًا، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الرأي كان مطروحًا للتخلص من يوسف ﵇ فلا أفضل من أن يترك الأمر للقدر.
وهذا يظهر لنا باستقراء القصة، ومن الوهلة الأولى لقراءة رؤيا يوسف ﵇ لا نستطيع استنتاج هذا الأمر إلا إذا تمعنا وتدبرنا في إشارات الرموز، وفك ألغاز هذه الرؤيا العظيمة، وكم من رؤيا ظلت رموزها طي الكتمان، ولو عبرت رموزها من معبر متفرس لأظهرت لأصحاب الرؤيا أشياء عظيمة تتحقق في حياتهم، فانظر رحمك الله إلى هذه الإشارات الدقيقة التي غابت عن الكثير.
[ ٩٢ ]