يقول الإمام الطبري - يرحمه الله (^٢): قال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا السجود الذي سجدتَ أنت وأمّي وإخوتي لي ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها، وهي رؤياه التي كان رآها قبل صنيع إخوته به ما صنعوا: أنَّ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدون ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، يقول: قد حقّقها ربي، لمجيء تأويلها على الصحَّة (^٣).
وينقل - يرحمه الله - عن ابن زيد (^٤) في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ (^٥)، قال: "يأتي تحقيقه. وقرأ قول الله تعالى: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٦)،
قال: هذا تحقيقها. وقرأ قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٧)، قال: ما يعلم حقيقته ومتى يأتي إلا الله تعالى".
_________________
(١) سورة يوسف الآية (١٠٠).
(٢) تفسير الطبري (١٣/ ٦٩).
(٣) بعد التحقيق تبين أن رؤيا يوسف ﵇ لم تعبر، ولم يظهر تأويلها في السورة الكريمة، والله أعلم انظر ص (٧٣).
(٤) حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد
(٥) سورة الآعراف الآية (٥٣).
(٦) سورة يوسف الآية (١٠٠).
(٧) سورة آل عمران الآية (٧).
[ ٦٩ ]
وإذا سلمنا (أن رؤيا يوسف ﵇ عبرت) نجد أن ذلك العكس بالنسبة لباقي الرؤى التي ذكرت في سورة يوسف، فكل رؤيا جاء معها التعبير الخاص بها، ولم ترد رؤيا في سورة يوسف إلا وعبرت، عدا رؤيا يوسف ﵇ فتعبيرها كان مغايرًا، فها هي رؤيا السجينان عبرتا في نفس السورة، يقول تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١).
وبعدها بخمس آيات جاء التفسير في قوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٣٦).
(٢) سورة يوسف الآية (٤١).
[ ٧٠ ]
أريد من القارئ الكريم ملاحظة عدة أمور منها:
١ - أن يوسف ﵇ لما عبر رؤيا السجينين، ذكر ما هو المآل الذي سوف يحدث لهذين السجينين بالضبط، مثلًا: السجين الأول، تأويل رؤياه: أنه سيسقي ربه خمرًا، بمعنى أنه سيكون ساقي الملك والمقرب منه، وفي الواقع حصل هذا الأمر، كما فسره يوسف ﵇ بحذافيره. إذًا هنا نستطيع أن نسمي هذا تفسيرًا؛ لأنه فيه المآل الذي سوف يصل إليه صاحب الرؤيا بدقة متناهية.
وهناك أمر آخر، إذ إن تعبير النبي أو الرسول يكون في غاية الدقة، ويكون بتفاصيل كثيرة، على سبيل المثال ننظر كيف عبر يوسف ﵇ رؤيا السجينين، وذكر فيها بعض التفاصيل، فإذا قارنّا هذا التعبير للرؤيا، وتعبير يعقوب ﵇ (بحسب اجتهاد بعض المفسرين)، نجد أن رؤيا يوسف تعبيرها كان مغايرًا، وليس فقط عندما نقارن رؤيا يوسف ﵇ بل إذا قارنّا باقي الرؤى التي ذكرت في سورة يوسف.
ومثالٌ آخر في نفس السورة، وهي رؤيا ملك مصر أيضًا عبرت، وعبرها يوسف ﵇ بل إنه ﵇ أسهب في تعبيرها وشرحها وبيانها. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ
[ ٧١ ]
وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).
وهنا جاء التعبير مباشرة من غير فاصل: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (^٢).
نعود للنقطة التي ذكرناها سابقًا، لو قارنّا هذا التعبير بتعبير رؤيا يوسف ﵇ لوجدنا أن رؤيا يوسف ﵇ تعبيرها كان مغايرًا.
إذًا نستطيع أن نقول أن رؤيا يوسف ﵇ كان تعبيرها مختلفًا، مع العلم أنه جاء تحققها (^٣).
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٤٦).
(٢) سورة يوسف الآيتان (٤٧، ٤٨).
(٣) تحقق الرؤيا: نقصد به المآل الذي أصبح واقعًا، أي صار حقيقة أو انتقل إلى عالم اليقظة بعد ما كان في عالم الغيب، فهو ما يحصل في المستقبل، أما التعبير: فهو اجتهاد المعبر في فك رموز هذه الرؤيا، ومحاولة معرفة ما الذي سوف تؤول إليه، فهناك فرق بين التحقق والتعبير فهذه حقيقة صارت على الواقع وتلك تفرس وإلهام.
[ ٧٢ ]
يقول صاحب أضواء البيان في تعليقه على الآية التي ذكر فيها رؤيا يوسف ﵇: "لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا (^١)، والعجيب أنه قال: "ولكنه بينه في هذه السورة في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (^٢).
ويقول الإمام السعدي - يرحمه الله - في معنى الآية السابقة الذكر (فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت) (^٣)، بمعنى أنه ليس تعبيرًا ولكن تحققًا للرؤيا.
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٣/ ٣٩)، وقال صاحب التحرير والتنوير، ولم يعلم يوسف تأويلها إلا يوم قال: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ سورة يوسف الآية (١٠٠) يشير إلى سجود أبويه له (٢٣/ ٢١٨). قلت: إن هذا الرأي يدل أن رؤيا يوسف ﵇ لم تعبر، وأن يوسف ﵇ لم يسمع تعبيرها والله أعلم.
(٢) سورة يوسف الآية رقم (١٠٠).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤٠٥).
[ ٧٣ ]
وإذا دققنا نجد أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ (^١)، يستدل به على تحقق رؤيا يوسف ﵇ لا تعبيرًا لرؤياه، فهناك فرق بين تعبير الرؤيا وبين تحقق الرؤيا، ويدل على ذلك عدة أمور منها:
١ - أن يوسف ﵇ لما قال ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ لم يقلها ﵇ إلا بعد تحقق رؤياه (بمعنى أن الموقف هنا تحقق للرؤيا التي رآها) مع العلم أنه كانت هناك بوادر في تحقق رؤياه عندما عبر رؤيا السجينين ورؤيا الملك؛ فقد جاء أن يعقوب ﵇ بشره بأنه سيكون معبرًا بحسب أقوال بعض المفسرين، لماذا لم يتذكر في هذا الموقف تعبير يعقوب ﵇ وتبشيره؟ !
_________________
(١) سورة يوسف الآيتان: (٩٩، ١٠٠).
[ ٧٤ ]
أيضًا في الآية الكريمة ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ لم يذكر تعبير الرؤيا التي رآها. أو أنه قال هذا تأويل رؤياي بعد تحقق كل التعبير بإجماله، أو أن المقصود ليس تعبير الرؤيا في تعليق يعقوب ﵇ على رؤيا يوسف ﵇ كما أوردنا في بحثنا هذا، ولعل الموقف لما رأى أباه كان أولى بأن يتذكر تعبير رؤياه والله أعلم.
٢ - قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ الإشارة هنا تدل على أن الرؤيا صارت حقيقة على أرض الواقع (وليس التعبير)، فنعود للشرح الأول، أن المقصود هنا هو تحقق للرؤيا والله أعلم، لذلك ذكر الإمام الطبري في الأقوال في تفسيرها قوله (هذا تحقيقها) (^١) أي تحققًا لرؤياه ﵇ على الواقع.
غير أن هناك مواقف كثيرة لم تذكر في تعبير يعقوب ﵇ لرؤيا يوسف ﵇ بتفاصيل واضحة ودقيقة، فلم يذكر في تفسيره أنه سيكون ملكًا ومسئولًا كبيرًا مثلًا، وأنه سوف يتعرض للفتن أو يسجن.
_________________
(١) نقل الطبري في تفسيره: قال ابن زيد في تفسير قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ هذا تحقيقها (٨/ ٢٠٤)، بمعنى أنه ليس تعبيرها والله أعلم.
[ ٧٥ ]
وكأن الموقف يحكي فصلًا من المحادثة التي كانت بين يوسف ويعقوب ﵉ أن هذا الحدث هو تحقق لرؤياي التي رأيتها قبل أربعين سنة.
وكان هذا أول ما لفت انتباهي (لماذا تعبير رؤيا يوسف ﵇ كان مغايرًا) وبدأت أبحث في هذا الموضوع وكنت أفكر، يا ترى ما الخطب؟ وبدأت الأسئلة والأفكار تتزاحم في ذهني، وبدأت أقف وقفات المتأني لأتعرف على الأمور بدقائقها حسب استطاعتي وجهدي جهد المقل.
[ ٧٦ ]