بل إن من أول علامات القيامة طلوع الشمس من مغربها بحسب بعض النصوص الصحيحة (^١)، والشمس من الكواكب، وهنا تعبّر عن الأهوال والشدائد، فنستطيع أن نعبر بها عن الأهوال والشدائد.
الدليل: قوله ﷺ: (إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها ) (^٢).
وقال ﷺ: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده) (^٣). وكل هذا السرد للأدلة حتى نبين أن الشمس والقمر معناهما شيء عظيم جدًّا؛ لأنهما من مخلوقات الله العظيمة.
الشدة والرخاء في حياة يوسف ﵇
_________________
(١) من حديث عبدالله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها) صحيح مسلم برقم [٢٩٤١].
(٢) صحيح مسلم حديث رقم [٢٩٠١] (٤/ ٢٢٢٦).
(٣) صحيح البخاري حديث رقم [١٠٤٨] (٢/ ٣٦).
[ ١٣٥ ]
ومن الملاحظ أن الشمس جاءت قبل القمر (^١) في رؤيا يوسف ﵇، فلعل في هذا إشارة إلى أن هناك أهوالًا وأمورًا صعبة سوف تأتيه، وقلنا أمورًا صعبة لأن الشمس حارقة، ويأتي منها الحر والشقاء، فلعلها تأتي بمعنى الصعاب التي لاقاها يوسف ﵇ في بداية حياته، وفيها كثيرٌ من المشاق، سواء النفسية أو البدنية أو الاجتماعية، وبعد ذلك سوف تسير الأمور على ما يرام، وتمهّد وتهدأ؛ لأن من إشارات معاني القمر أنه يرمز للهدوء والراحة، وخصوصًا أن تسلسل ترتيبه جاء بعد الشمس.
من تلك المواقف التي كان يمر بها يوسف ﵇ وكان فيها شدة وصعوبة:
ـ حلم ثقيل عليه نصيحة يعقوب ﵇ له. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^٢)
ـ بغض إخوته له والاجتماع عصبة عليه مع حبه هو لهم ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (^٣)
_________________
(١) وهذا في جميع الآيات التي ذكر فيها الشمس والقمر مجتمعين.
(٢) سورة يوسف الآية (٥).
(٣) سورة يوسف الآية (٩).
[ ١٣٦ ]
ـ موقف امراة العزيز. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ (^١).
ـ سجنه ﵇ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (^٢).
ونثني بالهدوء الذي خيّم على القصة، والراحة والعلو اللذين حصلا في قصته ﵇ ووصل إليهما:
وتتضح في المواقف التالية:
أولى تلك المواقف في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (^٣) هنا بدأت حقوقه تعود له، ومنها محاسبة ومساءلة الذين كانوا السبب في حبسه ﵇ وهذا يعبر عن انفراجة ليست بالهينة، وتحول كبير في حياته ﵇ وهذا الموقف الأول الذي تبدأ فيه حياته للتغيير للأفضل، في الآية رقم واحد وخمسين.
لاحظ هنا رقم الآية (واحد وخمسين)! !
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٢٣).
(٢) سورة يوسف الآية (٣٥).
(٣) سورة يوسف الآية (٥١).
[ ١٣٧ ]
والملاحظ أن قصة يوسف ﵇ انتهت في الآية رقم ١٠٠، في السورة الكريمة عند قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (^١)، فعند هذه الآية تكون القصة انتهت، فلا أحداث بعدها وكأن الأمر استقر وانتهت الآلام بهدوء وسلام.
العدد مائة هو رقم زوجي يقبل القسمة على اثنين (خمسون مضافة إلى خمسين) بل هو يعبر على نسبة كاملة النصاب!
تمامًا مثل اليوم الذي نمر به فهو ينقسم إلى قسمين قسم فيه شمس وهو النهار والذي يعبر عن المشقة، ونصفه الآخر هو الليل الذي فيه القمر فيضفي على أجواء اليوم نوعًا من الراحة والهدوء، وتتقارب من التساوي عدد ساعات النهار مع عدد ساعات الليل إذا كان الفصل ربيعًا، وهو أفضل فصل في الرؤى التي يراها الإنسان في وضوحها وصدقها (^٢).
وهكذا كانت قصة يوسف ﵇ وحتى الآية (خمسون) حياته كلها كانت صعاب ومشقة، وابتداء من الآية (واحد وخمسين) بدأت
_________________
(١) سورة يوسف الآية (١٠٠).
(٢) انظر ص (١٣٣).
[ ١٣٨ ]
الأمور تتحسن وتهدأ، وتتحقق الأماني، ويستقر الحال، وظلت القصة على هذا السياق وحتى الآية رقم مائة، وهذه الآية هي نهاية القصة، وكأنه سكون الليل بعد مشقة النهار.
ومن تلك المواقف التي كان فيها رخاءٌ ليوسف ﵇ موافقة الملك له أن يكون على خزائن الأرض.
وأيضًا قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (^١) لاحظ اللفظ ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ وكأنه اعتذار على ما كان من قبل، فهذا موقف علو، إذ إن الملك يسأله شخصيًّا.
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٤٦).
[ ١٣٩ ]