ومن الدلالات والإشارات التي تؤخذ من معنى الكواكب الشهرة وانتشار الصيت:
يقول ﷺ وهو يصف الحوض: (حوضه ما بين صنعاء والمدينة) فقال له المستورد: ألم تسمعه؟ قال: الأواني؟ قال: لا، قال المستورد: (ترى فيه الآنية مثل الكواكب) (^١).
يقول صاحب كتاب عمدة القارئ: فِيهِ الآنِية مثل الْكَوَاكِب، أَي: كَثْرَة وضياء (^٢).
الشاهد هنا، أن لفظة الكواكب أشارت هنا للكثرة والضياء وأن هذا من معانيها.
يلاحظ أن من الميزات الأخرى في الكواكب لمعانها وانتشارها، فالكواكب تلمع في السماء وتكون منتشرة، ونراها كذلك ونحن بعيدون عنها على سطح الأرض، بل صار هذا اللمعان صفة من صفات يوسف ﵇ فكان مشهورًا لامعًا في الأرض، كما أن الكواكب لامعة في السماء، وانتشر صيته وقصته أيضًا.
_________________
(١) صحيح البخاري حديث رقم [٦٥٩٢] (٨/ ١٢١).
(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٣/ ١٤٤).
[ ١٠٤ ]
وقوع دلالة الشهرة وانتشار الصيت على يوسف ﵇:
حتى يومنا هذا، الكثير يعرف قصته بالتفصيل وبدقائقها، وليس عندنا نحن المسلمين فقط، بل تعدى ذلك كثيرًا من الديانات، وما أكثر المصنفات التي درست قصة يوسف ﵇ التي تعد بالعشرات، والفوائد منها بالمئات بل بالآلاف، وكل هذا يدل على الشهرة التي يرمز لها في كثير من الأحيان باللمعان، فرؤية الكواكب تدل على أن سمعة الإنسان سوف تكون مشهورة .. لامعة .. ومضيئة، ألم تقرأ عن إعجاب العاملات والوصيفات به، وانتشار خبر حب امرأة العزيز له، وكل هذا من الشهرة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^١)، وهذا ما كان؛ فسيرته ﵇ على كل لسان، وسمعته مضيئة مثل الذهب في لمعانه، والعجيب أن اللمعان يظهر أكثر وسط السواد والذي يعبر عن ضوء الكوكب وسط السماء الذي لعله يعبَّر عن الأيام العصيبة التي عاشها ﵇ وهو كان مضيئًا فيها.
حتى وإن كان الموقف في غير صالحه، فإنه يدل على شهرته في القصر بجماله أمام العاملات.
والكواكب لإضاءتها؛ سماها المولى ﷿ بالمصابيح:
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٣٠).
[ ١٠٥ ]
في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ (^١)، وهذا على أن الكوكب هو النجم.
وسنذكر حديثًا لعله يستشهد به على ضوء الكواكب والذي يزيدها لمعانًا، يقول الرسول ﷺ: (لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلًا من أهل الجنة اطّلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم) (^٢)، الحديث يعني أن النجم له ضوء، ولعل هذا الضوء هو سبب اللمعان (سواء كان هذا الضوء يصدر منها أو منعكسًا من إضاءة أخرى).
وهذا ما تنبه له البلغاء الأولون أن الكوكب له ضوء، يقول البحتري الشاعر الفحل في إضاءة الكوكب في وسط الليل الدامس؛ أي لمعانه في الليل:
كالكوكب الدري أخلص ضوؤه حلك الدجى حتى تألق وانجلى
_________________
(١) سورة الملك الآية (٥).
(٢) مسند الإمام أحمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط (٣/ ٦٨)، حديث رقم [١٤٦٧]، والحديث حسن، انظر المرجع نفسه.
[ ١٠٦ ]
وتوحي إلينا كلمة تألق بفائدة أخرى من الفوائد المتعلقة بالكواكب: وهي التألق والجمال، وهذا ما سيوحي لنا بفائدة في قمة الروعة، والتي سوف نذكرها في طيات هذا البحث، ولكن بعدما ننتهي من القسم الذي يتعلق بيوسف ﵇.
[ ١٠٧ ]