أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١) . ولكن اختلفوا في المساجد التي يجوز الاعتكاف فيها على أقوال ثلاثة:
أ- يجوز الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، لأن الاعتكاف في غيره يفضي إلى ترك الجماعة وهي واجبة، أو تكرار الخروج إليها كثيرا. أما الذي لا تلزمه صلاة الجماعة، أو كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة فيجوز في كل مسجد. وهذا مذهب الإمام أحمد (٢) ورواية عن أبي حنيفة (٣) .
ب- يجوز الاعتكاف في كل مسجد لظاهر الآية. وهذا قول الأحناف والمالكية والشافعية (٤)، حتى قال الأحناف: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ويكره لها الاعتكاف في مسجد الجماعة، لأن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد ولو لم يكن لها مسجد تجعل موضعا في بيتها تعتكف فيه (٥) .
ويجاب عن هذا: بأن الصلاة لا اعتبار بها، لأن صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة ولا يصح أن يعتكف فيه، ثم إنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكما لجواز لبثها فيه حائضًا وجنبًا (٦) . ثم إن نساء النبي ﷺ اعتكفن
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ٢/٣٣٣.
(٢) انظر المغني ٣/١٨٨-١٨٩ والروض المربع مع الحاشية ٣/٤٧٨-٤٧٩.
(٣) انظر بدائع الصنائع ٢/١١٣.
(٤) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٠٢ والمنتقى للباجي ٢/٧٨-٧٩ والمجموع ٦/٤٨٠.
(٥) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٠٣ والهداية ١/١٣٣.
(٦) وانظر المغني ٣/١٨٩-١٩٠ والروض المربع مع الحاشية ٣/٤٨٠.
[ ١٠٩ ]
في المسجد ولا مخالف لهن من الصحابة (١) . وأما إذا خشيت المرأة الفتنة في الاعتكاف في المسجد فإنها لا تعتكف بل تبقى في بيتها (٢)، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ج- لا يجوز الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وهذا قول حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب (٣) وعطاء (٤)، وجاء عن سعيد وعطاء ما يخالف هذا القول.
واستدل من قال بهذا القول بما أخرجه البيهقي عن حديفة أنه قال لعبد الله بن مسعود: عكوفا بين دارك ودار أبي موسى وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام" أو قال: "إلا في المساجد الثلاثة" فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا. الشك مني» وفي رواية أنه قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" أو قال: "مسجد جماعة" (٥) .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لكن يشترط لمن تجب عليه صلاة الجماعة أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة.
_________________
(١) انظر المحلى ٥/١٩٦.
(٢) انظر الشرح الممتع ٦/٥١١-٥١٢.
(٣) وأخرج عنه ابن أبي شيبة ٣/٩١ أنه قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد نبي» . وأخرج عنه عبد الرزاق ٤/٣٤٦ أنه قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد النبي ﷺ» .
(٤) وعنه قال: «لا جوار إلا في مسجد جامع» ثم قال: «لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة ومنع من مسجد إيلياء» . وعنه أنه أجاز إتمام النذر في مسجد منى لمن نذر أن يعتكف فيه. انظر مصنف عبد الرزاق ٤/٣٤٩ وفتح الباري ٤/٢٧٢.
(٥) أخرجه البيهقي في سننه ٤/٣١٦ والطحاوي في مشكل الآثار ٤/٢٠ وابن حزم في المحلى ٥/١٩٤-١٩٥.
[ ١١٠ ]
وبهذا يجتمع القول الأول والثاني ويحمل عليه ما جاء عن جماعة من السلف أن الاعتكاف إنما يكون في مسجد جماعة (١) .
ويجاب عن دليل القول الثالث بما يأتي:
١- أن أكثر الرواة رووه موقوفًا على حذيفة ﵁، كما أخرج عبد الرزاق في المصنف والطبراني (٢): أن حذيفة قال لعبد الله: «قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم؟ فقال له عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت. فقال حذيفة: لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد إيلياء» .
وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطبراني عن إبراهيم النخعي قال: «جاء حذيفة إلى عبد الله » فذكره موقوفًا على حذيفة (٣) . وقد قال النخعي: «وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله» (٤) .
ثم إن رواته أوثق من محمود بن آدم (٥) الذي رواه مرفوعًا لأنه لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق» (٦) . وأوثق من محمد بن
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق ٤/٣٤٦-٣٤٩ عن علي بن أبي طالب وعروة بن الزبير والحسن البصري والزهري وعطاء وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/٩١-٩٢ عن علي وعروة والزهري والحكم وحماد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٤/٣٤٨ والطبراني في الكبير ٩/٣٤٩-٣٥٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٤/٣٤٧-٣٤٨ وابن أبي شيبة ٣/٩١ والطبراني في الكبير ٩/٣٤٩.
(٤) انظر تهذيب التهذيب ١/١٧٧-١٧٨.
(٥) هو محمود بن آدم المروزي روى عن ابن عياش وابن عيينة وعنه البخاري فيما ذكر ابن عدي وغيره مات عام ٢٥٨ وانظر تهذيب التهذيب ١٠/٦١.
(٦) انظر تهذيب التهذيب ١٠/٦١ والتقريب ٥٢٢.
[ ١١١ ]
سنان الشيرازي (١) عن هشام بن عمار (٢) كما عند الطحاوي.
١- وقوع الشك في الرواية المرفوعة ففي رواية: "إلا المسجد الحرام". وفي رواية: «إلا المساجد الثلاثة» . وفي رواية: «مسجد جماعة» . وهذا الشك يضعف الاحتجاج بالحديث لأن الشك لا يصدر عن النبي ﷺ ولو قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» لحفظه الله علينا ولم يدخل فيه شك، وإنما الشك من حذيفة ﵁ أو من بعده (٣) .
٢- أن ابن مسعود رد على حذيفة ﵄، وابن مسعود لا يرد حديث النبي ﷺ برأيه، وإنما عنده من العلم ما يثبت به قوله: "لعلهم حفظوا ونسيت وأصابوا وأخطأت" فأوهنه في الرواية والحكم.
٣- لو سلم حديث حذيفة من هذه العلل فإنه يتعارض مع ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (٤) وقولها السنة تريد سنة النبي ﷺ فهذا له حكم المرفوع.
فيحمل حديث حذيفة -إن صح- على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من الاعتكاف في غيرها لما لها من الفضل كما ذهب إليه الجمهور (٥) .
_________________
(١) قال الذهبي في الميزان ٣/٥٧٥: صاحب مناكير.
(٢) هو هشام بن عمّار الدمشقي صدوق مقرء كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح. مات عام ٢٤٥، وانظر التقريب ٥٧٣.
(٣) انظر المحلى ٥/١٩٥-١٩٦ ونيل الأوطار ٤/٢٦٩.
(٤) أخرجه أبو داود ٢/٨٣٦-٨٣٧ والدارقطني ٢/٢٠١ والبيهقي ٤/٣١٥و٣٢٠ وصحح إسناده الألباني في الإرواء ٤/١٣٩.
(٥) انظر أحكام القرآن للجصاص ١/٣٠٢ والمجموع ٦/٤٨١-٤٨٢ والروض المربع مع الحاشية ٣/٤٨٤-٤٨٥.
[ ١١٢ ]
١- أن لفظ الآية دال على العموم لأن الألف واللام في (المساجد) لجنس المساجد؛ لأن هذا حكم للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأولئك القوم الذين أنكر حذيفة عملهم إما صحابة وإما تابعون فأخذوا بهذا العموم.
٢- كيف تترك الأمة العمل بهذا الحديث - لو صح - خلال هذه القرون المتطاولة وفيهم المحدثون والفقهاء، وقد نقلوا هذا الحديث في كتبهم، فكيف يتفق الجميع على عدم العمل به؟ (١) .
فالراجح ما ذهب إليه الجمهور وأنه يجوز الاعتكاف في جميع المساجد، ومن تجب عليه الجماعة فإنه يعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة. أما إذا كان ممن لا تجب عليه الجماعة كالمرأة أو المريض أو الذي لا يصلي معه في المسجد أحد فإنه يعتكف في مسجده. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والله أعلم.
_________________
(١) أما سعيد بن المسيب وعطاء رحمهما الله فقد جاء عنهما ما يخالف هذا الحديث كما سبق ص ١٥ وليس أحد القولين بأولى من الآخر.
[ ١١٣ ]