قال الْحَرَالِّي: جمع ند، وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير، من حال إلى حال أدنى منها، ترين الغفلة على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة، أو من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم، وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم، فاشتد داعي رجائهم لهم، وسائق خوفهم منهم، فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت، وجعلوهم لله أندادًا. انتهى.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفيه كما
قال الْحَرَالِّي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله ندا، مما حوته السماء والأرض، واستمد من الماء، فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه، فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم. انتهى.
﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: من التنزيل، وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة، ونحو ذلك. انتهى.
[ ١٦٩ ]
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة.
﴿بِسُورَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام، بمنزلة إحاطة السور بالمدينة. انتهى.
﴿والشهيد﴾ كما
قال الْحَرَالِّي: من يكثر الحضور لديه، واستبصاره فيمن حضره. انتهى.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والدون: منزلة القريب، فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن "اسم الله" لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس، فقد تحققوا أن كل ما أدركته حواسهم، ونالته عقولهم، فإنه من دون الله. انتهي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى عليه قلبه، مما له حقيقة ثابتة بحسبه.
وقال: واتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال الرزق [لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة نزول الرزق] لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر، يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو الوحي، رزق باطن، يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتا؟ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولتهم عمومه، فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من
[ ١٧٠ ]
مثله. تحقق اختصاص من نزل عليه به، وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاما بوفائه بأنحاء التذلل، وإظهار المزية انفراده بذلك دونهم، ليظهر به سبب الاختصاص.
وانتظم النون في ﴿نَزَّلْنَا﴾ من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ ﴿عَبْدِنَا﴾ ما يظهره النبي، - ﷺ -، لهم من الانقياد والاتباع. وما اقتضاه خلقه العظيم عن خفض الجناح، حتى إنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته، - ﷺ -، وحتى إنه يتصف بأوصاف العبد في أكله، كما قال: "آكل كما يأكل العبد". انتهى.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ والفعل:
قال الْحَرَالِّي: ما ظهر عن داعية من الموقع، كان عن علم أو في علم، لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا. انتهى.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط، وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. انتهى.
﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، ﴿واتقوا﴾ أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله، حيث تذعنون لربوبيته وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم،
[ ١٧١ ]
فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله، أنهاه تركيبا، وهم الناس الملائمون لمارجها بالنوس، وأطرفه وأجمده، وهي الحجارة، فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، وفيه إشعار بمنتها وقوتها، وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق، يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد، وهو النبات، ولا تفعل في الطرفين إلا بواسطة، وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه، كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ وتقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه، وقال: ﴿وَقُودُهَا﴾ لأن النار أشد فعلها في وقودها، لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، فإذا كان وقودها محرقها كانت
[ ١٧٢ ]
فيه أشد عملا لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون، وبها مغتذون، إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا، متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ما في كونه من جوهرها.
قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته السماء والأرض، وأن كل شيء، ليس الثقلين فقط، يعمه القسم بين الجنة والنار، كما عمه القسم بين الخبيث والطيب، وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيرًا واستفتاحا، وما سوى ذلك فمن زيادة الإيمان وتكامله، كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما، حتى إن منهم من ينكر جزاء ما سواهما، ويتكلف تأويل مثل قوله ﵇: "يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء". انتهى.
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا. انتهى.