وقال الْحَرَالِّي: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال، وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات، وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال، وأن ذلك من الحق، سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة، وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم.
وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار، ولوقع المثل على ممثله قل أو جل، دنا أو علا، فتنزه، تعالى، عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمرا فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - انتهى.
والحياء
قال الْحَرَالِّي: انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن،
[ ١٧٦ ]
لمواجهة ما تراه نقصا، حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن. "أن" كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يفصل بها ما يظهرها، وسيبويه، ﵀، يراها اسما، وعامة النحاة، لا نعجام معناها عليهم، يرونها حرفا. "يضرب" من ضرب المثل، وهو وقع المثل على الممثل لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجددا مستمرا، وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلا، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق.
وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الْحَرَالِّي: إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول، ففي الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فيراجع هذا المعنى مع تكرار "أن" فإنها كثيرة الدور في القرآن، جليلة قدر المعنى في مواقعها، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب [إن أن والفعل في] معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها، نحو "من" و"ما".
﴿مَثَلًا مَا﴾ مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره، و"ما" في هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى.
[ ١٧٧ ]
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا عليهما، فكان لذلك متعديا إلى مفعولين: مثلا ما، وبعوضة، والبعوض جنس معروف، من أدنى الحيوان الطائر مقدارا، وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل، فهو بذلك كل. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي من معنى يكون أظهر منها. والفاء تدل على ارتباط ما، إما تعقيب واتصال، أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدرج إلى أنهى ما يكون. انتهى.
﴿فَأَمَّا﴾
قال الْحَرَالِّي: كأنها مركبة من "أن" دالة على باطن ذات، و"ما" دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب، وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف، حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضربة المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه، فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى.
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: وكان إضلالا لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل وبه تطبيق لهم إلى الجهالة، فكان ذلك إضلالا، وقدم الجواب لأنه مستحق
[ ١٧٨ ]