بواطنهم بأحد من دونه، حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ملائكته الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء، فكيف بمن يكون في محل البعد والإقصاء؟ توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من أتباع خطوات الشيطان، وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها، ومعنى تتهيأ به للانتظام بما بعدها، وبذلك كان انتظام الآي داخلا معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق يمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
﴿إِنِّي﴾ إن حرف يفهم توكيدًا من ذات نفس المؤكد وعلمه، والياء اسم على يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه. ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ ولما كانت خلافة آدم، ﵇، كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك، مع أنه يصح أن يراد به الجنس، فقال: ﴿خَلِيفَةً﴾ الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه، ملكه وملكوته، وهم أيضا بعضهم خلفاء بعض، فهو خليفة بالمعنيين. انتهى.
﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
قال الْحَرَالِّي: (السفك) وهو سكب بسطوة. "الدِّمَاءَ" أي بغير حقها بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم وخلقهم جوفا، يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون.
[ ١٨٨ ]
﴿وَالدَّمَ﴾
قال الْحَرَالِّي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه.
﴿وَنَحْنُ﴾ وهذا الضمير كما
قال الْحَرَالِّي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: التسبيح تنزيه الحق، تعالى، عن بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء أمره علوًا وسفلا، ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح أيضا في علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد، - ﷺ -، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر، ولا رجس باطن، واللام تعلن للشيء، لأجله كان ما أضيف به. انتهى.
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وأعلم، تعالى، بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر، والحكم على الآتي بما مضى، حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم، ليتحقق أن أمر الله جديد، وأنه كل يوم هو في شأن، لا يقضى على آتي وقت بحكم ما فيه، ولا بما مضى قبله - انتهى.