في شرط منال قراءة هذه الحروف وعلمها والعمل بها
ويشتمل كالأول على تمهيد وسبعة فصول.
القول في التمهيد: اعلم أن الله، سبحانه، خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ورزقه نورا من نوره، فلأنه خلقه بيده، كان في أحسن تقويم، خلقا، ولأنه نفخ فيه من روحه، كان أكمل حياة قبضا وبسطا، ولأنه رزقه نورا من نوره، كان أصفى عقلا وأخلص لبا، وأفصح نطقا وأعرب بيانا، جمعا وفصلا، وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا، وعقله ما أقام من أمره فهما وعلما، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا، ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعا، وأنسا، فأناسه وردده ما بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان [سفيها، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان] حنيفا.
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.
[ ٩٠ ]
ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين، وشغل أكثرهم أكلهم وتمنعهم، وأنهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية، بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظرا واعتبارا - اصطفى الله، سبحانه، من الحنفاء الذين قرأوا كتاب الخلق منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون، وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا تنبيههم بما اسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر، وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله، سبحانه، معهم كتبا يتلونها عليهم، ويبينونها لهم علما، وعملا، وحالا، فقبل ما جاءوا به وصدقه واستبشر به الحنفيون، وأنذر به المدبرون والمعرضون: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ آمن من تنبه للنظر والاعتبار، وألقى السمع وهو شهيد، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجله التي إنما يعيها القلب، وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم، كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم، لعبهم في صباهم، ولهوهم في شبابهم، وتفاخرهم في أشدهم واستوائهم، وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم، وتكاثرهم في الأولاد في شيخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام، والمولد فيه الغافل، في عدم الإقبال والقبول، وفي ترك الاهتمام بالآجلة، واقتصارهما على الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره، المدعو لفظا وعلما، والمولد الغافل علما وعملا، فلم يسمعه المدعو، ولم يفهمه الغافل، فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا وعملا،
[ ٩١ ]
ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة. ولما قامت الحجة عليهم بقراءته، إذا لم يجاوز حناجرهم، كانوا أشد من الكفار عذابا في النار "أكثر منافقي أمتي قراؤها". ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
فإذن لابد في قراءة القرآن من تجديد إقبال، وتهيئ لقبول وتحقيق تقوى، لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم، فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام.
فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره، ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.
فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه، وإقبال الحس على استماعه وتدبره. ولكل حرف شرط يخصه، يفرد لكل شرط فصل، بحول الله، ونبدأ بشرطي أحرف صلاح الدنيا، والله ولي التأييد والتسديد.
[ ٩٢ ]
الفصل الأول