في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران
اعلم أن الله، سبحانه، محيط بكل شيء خلقا وأمرًا، أولًا وآخرا، ظاهرا وباطنا، وهو حمده، وله ظهور في علو أمره وكبير خلقه، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره، بما أبداه من حكمته، وأسباب هداه وفتنته، وذلك العلو هو إلهيته، والاحتجاب هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له، وتأييده كل أمر من الأمرين لما أقيم له، وذلك هو ربانيته، ولكل فئق من خلقه وأمره رتق سابق، ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب من مدد الحجاب اختصاص، وذلك هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد، في رده إلى القرب، وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته العلية، ظاهرًا وباطنا، أمر خاص، ولكل أمر خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته. واختصاص رتبة قربه ومحل بعده.
وإن الله، سبحانه، جعل آدم وذرءه خليفة له في جمع أمره وتفصيله، وأنزل القرآن نبأ عن جملة ذلك، فأردى الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي يسمى فيه
[ ٣٤ ]
بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه وغيره، ونسي عهد ربه، فيرد لذلك نبؤه بالذم في القرآن، ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو له بمنزلة سن الميز لابن سبع، ولايقع إلا عن اجتماع وثراء، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس، لنوسهم أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم، وغلبة أهوائهم عليهم، فيرد لذلك نبؤهم بذم أكثرهم في القرآن؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ و﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾.
ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق، ولكنهم ينزلون عنه كثيرا، عند كل عارضة نبل وخادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسمون فيه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو أول سن التلقي، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود، ﵁، يقول: إذا سمعت الله ﷿ يقول: "يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك، فإنه خبر يأمر به، أو شر ينهى عنه".
وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لايدخل فيه الصبي المميز، وما يخص المميز لايدخل فيه البالغ، كذلك خطاب الذين آمنوا لم يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس قد جاوزه الذين آمنوا، لأنهم قد انزجروا، بما قبلت قلوبهم، عما يزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما يؤمر به الناس.
وهذه الأسنان الحالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها، أشد ظهورا من أسنان الأبدان، عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهده المراتب في الأحوال والبيان، هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن.
[ ٣٥ ]
وكذلك ما فوق سن الذين آمنوا من سن الذين يؤمنون، وهم، في أول حد القرب، بمنزلة بلوغ الأشد، وسن الذين آمنوا والناس في مدد حد البعد، ولذلك يخاطبون بحرف "يا" المرسلة إلى محل البعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وفوق ذلك سن المومنين، وأدنى قربا، ولذلك لم يرد في القرآن في خطابهم، ياء البعد، وهذه السن بمنزلة الاكتهال، وسن الشيب، وتمام سنهم المومنون حقا، وكذلك إلى سن المحسنين إلى غيب سن الموقنين، إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابع، وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من ثبت سن قلبه على الجهل، وتطور سن جمسه إلى الهرم، "يهرم ابن آدم وتشب منه إثنتان: الحرص والأمل" فالحرص فقره، ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب، وتفاوت خطابها، لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم تتضح له تنزلات الخطاب لم يبق له خطاب الله من خطاب الرحمن، من خطاب الملك الديان.
فنذكر لذلك تطرقا في الباب الخامس، بحول الله، والتأييد بروح منه.
[ ٣٦ ]