في محل أم القرآن من القرآن، ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان وما حواه من وجوه البيان
اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم جمعا في السبع المثاني، أم القرآن، وأم الكتاب، وكنزها تحت عرشه، ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق، وظهور بادي الحمد؛ لمحمد، - ﷺ -، لأنه تعالى يختم بما به بدأ، ولم يظهرها قبل ذلك، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق، ويمحو كفرهم، ولايتم نبأ القول إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل، ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك بمن يكون من خلقه كل خلق، ليبين به ما من أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون، وخاتم الخلق الكامل، تدرج تنشئ الخلق، وبدو الأمر، على حساب ذلك الخلق، صحفا فصحفا، وكتابا فكتابا فالصحف لما يتبدل سريعا، والكتاب لما يثبت ويدوم أمدًا، والألواح لما يقيم وقتا، ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء؛ وفي القرآن منها ما شاء الله، وما يظهره الفقه من الحدود، ومعارف
[ ٥٠ ]
الصوفية من مؤاخذة المصائب، وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام، والإعلام بأن المقصود بها ليست هي، بل ما وراءها من أمر الملكوت.
وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية.
وفي الزبور تطريب الخلق وحداهم عن أنفسهم إلى ربهم. وفي القرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة.
ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه فصار قرآنا جامعا للكل، متمما للنعمة، مكملا للدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾.
ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل، والجوامع فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن منتظمة، واحدة بعد واحدة، إلى تمام السبع، على وفاء لامزيد عليه، ولانقص عنه، أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه، من بدء الملك إلى ختم الحمد، وبما لعبده سورة صورة باديه من براءته من الضلال، إلى هدي الصراط المستقيم. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [وبما بينه وبينه قيام ذات
[ ٥١ ]
الأمر والخلق] فكان ذلك هو القرآن العظيم، الجامع لتفاصيل ما حواه القرآن المطلق الذكر، بما فيه من ذلك تفصيلا من مبينه، وهو ما عاينت آية مسموعه، ومن مجيده، وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد، وأجل ما علم بعلم ما شهد، فكان معلوما بالتجربة المتيقنة، بما تواتر من القصص الماضي، وما شهد له من الأثر الحاضر، وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، ومن كريمه، وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه، فيما دق وجل، وخفي وبدل، ومن حكيمه، وهو ما ظهر في الحكمة المشهودة تقاضيه، وانتظام مكتوب خلقه، على حسب تنزيل أمره، وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام، وتأت من حال إلى حال، وحكم إلى حكم، كان تنزيلا، وما أهوى به إهواء من علو إلى سفل كان إنزالا، وهو إنزال حيث لا وسائط، وتنزيل حيث الوسائط.
وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه: "كان خلقه القرآن" وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل. آخر آية أنزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
قال - ﷺ -، بما في مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. "اجعلوها بين آية الدين، والآية التي قبلها" لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم
[ ٥٢ ]
قرآنها على ما تقدم عليها. آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية متأخرة الكيان، مقدمة القرآن على آية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
وقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق، وقد لا يتطابق، والله يتولى إقامتهما.
وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن، بمنزلة نسبة جمعه في قلبه، لمحا واحدًا، [إلى أم القرآن] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ فهو جمع في قلبه، وقرآن على لسانه، وبيان في أخلاقه وأفعاله، وجملة في صدره، وترتيل في تلاوته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ قال الله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كذلك نزلناه إلى ماهو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي إلى سماء الدنيا، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ على لسانه في أمد أيام النبوة.
هذا منتهى القول في الباب العاشر.
وهو إن شاء الله حسب لمن استشعر التقوى، وتفرغ مما سوى القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
[ ٥٣ ]
ولأنه بعون الله "مفتاح للباب المقفل لفهم القرآن المنزل".
سمي بهذا الاسم، وإن ربك هو الفتاح العليم.
* * * *
آخر نسخة باريس "ب" (المكتبة الوطنية):
"ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والحمد لله رب العالمين".
* * * *
آخر نسخة الرباط "ط" (المكتبة العامة) "بتر في آخرها".
* * * *
آخر نسخة الإسكندرية "س" (مكتبة بلدية الإسكندرية)
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.
تم الكتاب بعون الله الملك (كلمة غير مقروءة) في التاريخ العاشر من جمادى الأول - كذا - سنة ز. ع. ح مائة [٨٤٧]، في يوم الأربعاء وقت الظهر في المكة - كذا - المشرفة حرسها الله تعالى عن الآفات والعاهات، على يد عبد الضعيف فقير حقير كمال تاج غريب مسكين، عفا الله من نظر إلى هذا الكتاب ولجميع المؤمنين. آمين رب العالمين. قامه على شيخ على ثلاثة درهم - كذا - شامي.
[ ٥٤ ]