قال الْحَرَالِّي: من الجعل، وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير. ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي المحل الجامع لنبات كل نابت: ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق، وكل ما أصله ماء الماء آيته، كالهدى والعلم، ونحو ذلك، ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها، فقيل أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها: ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض، كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها
[ ١٦٦ ]
كتابه. انتهى.
﴿فِرَاشًا﴾ وأصله
قال الْحَرَالِّي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك.
﴿وَأَنْزَلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى.
﴿مَاءً﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق ﴿فَأَخْرَجَ﴾ من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء. انتهى.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ والثمر: كما
قال الْحَرَالِّي مطعومات النجم والشجر، وهي عليها، وعبر بمن لأن ليس كل الثمرات رزقا، [لما يكون عليه، وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضا من كل الثمرات رزقا] فمنه ماهو للمداواة، ومنه سموم، وغير ذلك. وفي قوله ﴿لَكُمْ﴾ إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم، ومصيرًا إلى أن يعود بالجزاء منهم.
وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين، ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه، ولايشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد
[ ١٦٧ ]
بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه، وعولج له طعام وشراب قدم له، أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها، ولتقلد نعمته وإكباره، فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان، ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان، كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لاتعدو بأنفسها العلم الضروري، وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الأمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه، فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة، ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي، لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس، وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة، ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف، وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار والتناسب، الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات، أن الماء بزر كون الإنسان، كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال ﵊، لمن سأله: ممن هو؟ فلم يرد أن يعين له نفسه: نحن من ماء. ويعلم كذلك أيضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر الأرض
[ ١٦٨ ]
معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال ﵇: "من أغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين" وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها، وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلا ما علا عليها.
ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر، وإنما توقفوا في الرسالة، ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد. انتهى.