وقال الْحَرَالِّي: "يؤمنون" من الإيمان، وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا، وإذا آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه. و"الغيب" ما غاب عن الحس، ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل، فيحصل به العلم، وصيغة "يؤمنون" و
[ ١٥٥ ]
"يقيمون" تقتضي الدوام إلى الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة، وأنه ليس عن ئعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء، و"الصلاة" الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفا شاملا، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل، والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبي، - ﷺ -، ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها، وأمر غائب الملكوت وما فيه، إلى غيب الجبروت وما به، بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم، كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم، وسائر حواسهم، وداموا على عملهم ذلك على حكم إيمانهم إلى الخاتمة.
ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله، من القيام له، تعالى، والركوع له والسجود الذي هو أعلاها، والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات، كانت لذلك تعهدا للإيمان وتكرارا، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه، وران عليه كفر، فلا إيمان لمن لا صلاة له، [والتقوى وحده أصل] والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة، ولذلك البخل عزل عن خلافة الله، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد، - ﷺ -، فالتقوى قلب باطن، والإنفاق وجه ظاهر. والإيمان فالصلاة وصلة بينهما.
[ ١٥٦ ]
ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك بأمر، كان أذا أرشد إلى غيب لايعلمه، لم يدفعه بمقتضى ما تقدم له علمه؛ ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كاد لا يطلع على جميع رزقه، كان رزقه غيبا. فإذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته، وعظم فيها سلطانه، وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول، فإذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا، انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى. وذلك هو الكمال المحمدي.
وإن بخل فلم ينفق، واستغنى بما عنده، فلم يتق فكذب، تضاءل أمر خلافته، وانقطع عنه المدد من الأعلى، فبحق سمي الإنفاق زكاة، وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي، ﵁، نفيس. انتهى.
﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: الآخرة معاد الأمر بعد تمامه على أوليته. انتهى.
والإيقان، كما
قال الْحَرَالِّي: صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء، وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد انتهى.