فيما به تحصل قراءة حرف النهي
اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حالة الجسم والنفس، تحصل له عادة بالخير، تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة، من الأمر والنهي، وكما أقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما افتضى الإيمان بالغيب، وتصديق الوعد والوعيد، تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى، بما ملك العبد من منفوذ متاع الدنيا، فكل الحلال، ماعدا الكفاف بالسنة، متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه فندم عليه. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. "بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح".
وكما أن حرف الحلال موسع، ليحصل به الشكر، فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال، ليحصل به الصبر، ليكون العبد شاكرا صابرا. فالذي تحصل به قراءة حرف النهي:
[ ١٠٢ ]
أما في جهة القلب، ورؤيا الفؤاد، فمشاهدة البصيرة لوعود الجزاء، حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس لخيره، وترتاع من شره، كما قال حارثة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون". فأثمر له ذلك ما أخبر به عن نفسه في قوله: "وعزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها وخزفها"، وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرويا الصالحة، والكشف الصادق، ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة.
وأما من جهة حال النفس، فالصبر يحسبها عما تشتهيه طبعا، مما هو محلل شرعا، قال، - ﷺ -، لعمر، ﵁، لما رثى لحاله: "ياعمر، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة". ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وصبر النفس عن شهواتها، وإن كانت حلالا، هو حقيقة تزكيتها، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيسها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها، إلا في شيئين: في النساء بكلمة الله، لأنهن من ذات نفس الرجل، ولسن غيرا لهم. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
والثاني في الطيب لأنه غذاء للروح، وتقوية للحواس، ونسمة من باطن الملكوت، إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه، علامة تكذيب وعد الرحمن، وتصديق وعد الشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
[ ١٠٣ ]
السَّبِيلِ﴾. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ هذا من جهة النفس.
وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد على الكفاف، وتخليته لذوي الحاجة، ليتخذوه، معاشا، وأن يكون التمول، من غير القوام، تجارة نقل وضرب في الأرض، أو إرصاد لوقت الحاجة، لا حكرة وتضييقا، اتخاذ أكثر من لبستين، للمهنة، والجمعة، علامة ضعف الإيمان، وخلاف السنة، وانقطاع عن آثار النبوة، وعدول عن سنة الخلفاء، وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب الطعام، وقصد المستحسن في الصورة، دون المستحسن في العلم، وإيثار الطيب في المطعم على الطيب في الورع، وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد، وأكثر من مزدرع كاف، ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع النبي، - ﷺ -، من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة، حتى هدمها وسواها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن، إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت الراح منه إلى الآخرة، فيسعد، ومن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها نفسه، طلبت البقاء فيها، وليست بباقية، فيشقى.
والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المتباهي، وعفو للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه.
والزيادة على الكفاف من النعم السائدة انقطاع عن آثار النبوة، وتضييق على ذوي الحاجة، وتمول لما وضع لإقامة المعاش، وإن يتخذ منه الكفاف، قال - ﷺ -: "لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة".
[ ١٠٤ ]
والطعام لايتمول وكذلك ما اتخذ للقوام، لا يحتكر إلا خاطىء ["من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله، وبوئ الله منه" فالأمتعة تجلب وتختزن، ويستنمى فيها الدينار والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن، فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره]، وما منع فيه من مد العين، فأحرى أن يمنع فيه مد اليد ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيتين.
فبهذه الأمور؛ من إيمان القلب، ورؤية الفؤاد، وصبر النفس، وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام، تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد.
[ ١٠٥ ]