فيما به تحصل قراءة حرف الحلال
اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا؛ إما في حال السعة، فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه، أو غيره، أو ربه، على ما ذكر في الفصل الأول ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية.
وإما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والذي به تحصل قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته، ومعرفة أخص منافعها، مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة، أو إداما أو فاكهة، أو دواء كذلك، ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. وذلك مدرك عن الله، سبحانه، باعتبار العقل،
[ ٩٧ ]
وإدراك الحس في مخلوقاته، كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق، ﵁، قد حرم الخمر في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله، يزيد في عقلي، لفعلت، فكيف أشتري بمالي شيئا ينقص من عقلي.
وكان، - ﷺ -، كثيرا ما ينبه على حكمة الله في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب، عملا بقوله تعالى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فقال لطلحة، وقد ناوله سفرجلة: "إنها تذهب بطخاء الفؤاد". وقال لأبي هريرة، وهو رمد، في خبز الشعير والسلق: "كل من هذا، فإنه أوفق لك" وقال في التمر والقثاء: "حر هذا يكسر برد هذا" أو قال: "برد هذا يكسر حر هذا" وقال لرمد: "أتأكل التمر وأنت رمد". وقال لعائشة في الماء المشمس: "لا تفعلي هذا ياحميراء فإنه يولد البرص". وقال: "استاكوا بكل عود، ما خلا الآس والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام". وقال لامرأة، وقد استطلقت بالشبرم: "حار جار ألا استطلقت بالسنا، فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا" إلى غير
[ ٩٨ ]
ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة، ﵂، تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن، ومثل ذلك كثير من كلام العلماء ومجربات الحكماء، ومعارف الحنفاء. قال الشافعي ﵁، في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب.
هذا من جهة القلب، وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به، الضيافة على أهل الوبر. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.
وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
[ ٩٩ ]
تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
هذه الشروط الثلاثة: من السخاء، والصبر، والتراضي، في النفس.
وأما في العمل وتناول اليد، فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله، فما تناول باسمه أحد بإذنه، وما تنوول بغير أخذ تلصصا على غير وجهه، وشارك الشيطان في تناوله، فتبعه المتناول معه في خطواته. ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. جاء صبي وأعرابي ليأكلا طعاما بين يدي النبي، - ﷺ -، بغير تسمية، فأخذ يأيديهما وقال: "إن الشيطان جاء يستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع أيديهما"، فسمي النبي، - ﷺ -، وأكل، ثم أطلقهما وقال: "كلا باسم الله". وقال لغلام أكل معه: "ياغلام، سم الله".
والثاني: التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، واليمن خادم ما علا من الجسد، والشمال خادم ما سفل منه.
والثالث: أن يتناول تناول تقنع وترفع عن تناول التهمة، كان رسول الله، - ﷺ -، يأكل بثلاثة أصابع، ويشرب مصا في ثلاث، وقال: "هو أبرأ وأمرأ وأهنأ"
[ ١٠٠ ]
وقال: "الكباد من العب".
والرأبع: الاكتفاء بما دون الشبع، لما في ذلك من حسن اعتداء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة.
ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال و"ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه". وما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاما.
و"المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" لتوكل المؤمن في قوامه، ولاتكال الكافر على الغذاء في قوته. و"حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان، ولابد فاعلا، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس".
والخامس حمد الله في الختام. لأن من لم يحمد الله في الختام. كفر بنعمته، ومن حمد غير الله آمن بطاغوته.
فبهذه الأمور؛ معرفة في القلب، وحالا في النفس، وأدبا في العمل، تصح قراءة حرف الحلال، ويحصل خير الدنيا، ويتمهد الأساس لبناء خير الآخرة، والله ولي التوفيق.
[ ١٠١ ]