في حرف المحكم
وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه، وبراءته منها، والتجائه إلى ربه استسلاما، وحفده في خدمته إكبارا، واستناده إليه اتكالا، وسكونه له طمأنينة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه بقراءة هذا الحرف، والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه، [لأن اتباع المتشابه] زيغ، لقصور العقل والفهم عن نيله ووجوب الاقتصار على الإيمان به، من غير موازنة بين ما خاطب الله تعالى به عباده للتعرف، وبين ما خلقه للعبد للاعتبار. "سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته".
وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات. وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى ما
[ ٧٨ ]
ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب، التي هي المعرفة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. فإذا عرفوا الله، ومن ذكر عبادة النفس، التي هي الإجمال في الصبر، وحسن الجزاء ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ومن ذكر عبادة الجوارح بالخشوع: ﴿قد قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه". إلى سائر أحوال العبد، التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب.
وما تقدم من حرفي الحرام والحلال لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابة.
والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق، وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص، ومبدأ الاصطفاء، وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك من نفس ولا غير، ولذلك بديء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله، وأساس ما بعده، وهو للعبد أحوال محققة، لا يشركه فيها ذو رياء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة، لأنها أعمال ظاهرة، فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا
[ ٧٩ ]
بالخشوع، ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء، ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن، وأحاديثه الواردة للبيان.
وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ الذين ليس للشيطان عليهم سلطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب، في فطرته التي فطر عليها، كان ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة، فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب، المشتمل على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسيها في الشرع والملل، واختلافها في مذاهب الأيمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الكل في الشرع المحكم، فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها، وهو حرف الهدى، الذي يهدي الله به من يشاء. وقراؤه العملة له هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين لحرف المتشابه، هم المفترقون في الملل، وهم أهل البدع والأهواء، المشتغلون بها لا يعنيهم. وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء. فحرف المحكم للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
[ ٨٠ ]