فيما به تحصل قراءة حرف المحكم
اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة، هو حظ العامة من الأمة، المعاملين لربهم على الجزاء، المقارضين له على المضاعفة.
وقراءة هذا الحرف تماما، هو حظ المتحققين بالعبودية، المتعبدين بالأحوال الصادقة، المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده، مصرف فيما شاء، وكيف شاء، ليس له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده، فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالمعرفة بعبودية الخلق للحق؛ رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء، مما بينه وبين ربه، ومما بينه وبين نفسه، ومما بينه وبين أمثاله، من سائر العباد. "لا يملك لنفسه ضرا ولانفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا" ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يعمل سواه: ﴿إِنَّ الدِّينَ
[ ١١٠ ]
عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخصوص اللب، هي الملة الحنيفية؛ ملة النبي الخليل. هذا من جهة القلب.
وأما من جهة حال النفس: فجميع أحوال العبد القن، المغرق في الملك: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد". وجماع ذلك وأصله الذل انكسار، والذل عطفا، والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق، والتحقق بالضعة دونهم، وعلى وصف النفس بذلك ينبني حسن التخلق مع الخلق، وصدق التعبد للحق.
وأما من جهة العمل وتصرف الجوارح: فإسلامها، لله قولا وفعلا وبذلا، ومسالمة الخلق لسانا ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته، "لايكتب أحدكم في المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده" ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيآت العبيد. كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة، من الإطراق في القيام، ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر؛ هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده، وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبد، وكذلك كان النبي، - ﷺ -، يجلس
[ ١١١ ]
لطعامه، لتستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه، ويقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد". ويؤثر جميع ما هو هيئة العبد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
فبهذه الأمور؛ من تحقيق العبودية في [القلب، وذل]، النفس وانكسار الجوارح، تحصل قراءة حرف المحكم، والله الولي الحميد.
[ ١١٢ ]