في حرف الحرام
وجه إنزال هذا الحرف طهرة الخلق من مضار أبدانهم، ورجاسة نفوسهم، ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعن فيه كان أشده تحريما، وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته.
وكما اختلفت أحوال بني آدم، بحسب اختلاف طينتهم، من بين خبيث وطيب، وما بين ذلك، اختلفت أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم. فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذي به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أوصفا، لتقوته بما يسمى عليه من ذكر الله، أو كفر به بذكر غيره.
وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متع الحلال، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ هذا لمضرته بالبدن، "أو لحم خنزير" وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فهذا لريته على القلب.
[ ٧٤ ]
وهذه الآية مدنية، وأثبتها الله في سورة مكية إشعارا بأن التحريم كان مستحقا في أول الدين، ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة؛ تأليفا لقلوب المشركين، وتيسيرا على ضعفاء الذين آمنوا، واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه؛ استبصارا منهم، حتى إن الصديق، ﵁، كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية، لما رأى فيها من نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام، وألحق بها في سورة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه، من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إلا ما تدورك بالتذكية المنهرة للدم المؤصل في التحريم، لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حدي الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء، المستدركة ببركة التسمية إثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضا في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها، كالخنزير، كما ألحقت المقتولة بالميتة.
وكما حرم الله ما كان فيه جماع الرجس من الخنزير، وجماع الإثم من الخمر، حرم رسول الله، - ﷺ -، ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع، حماية من سورة غضبها، لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد، لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها، الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، وألحق، - ﷺ -، بتحريم الخمر، الذي سكرها مطبوع، تحريم المسكر الذي سكره مصنوع.
[ ٧٥ ]
وكما حرم الله مايضر العبد في ظاهره وباطنه، حرم عليه، فيما بينه وبينه، ما يقطعه عنه من أكل الربا. "الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك". وجامع منزله في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إلى انتهاء ذكره، إلى ما ينتظم بذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية. إلى ما يلحق بذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ الآية. ولما كان تحريم الربا لما بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة، حتى إنه حمى من صورته، مع الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه.
وكما حرم الله الربا، فيما بينه وبين عبده، من هذا الوجه الأعلى، كذلك حرم أكل المال بالباطل، فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى.
وجامع منزله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى ما ينتظم بذلك من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآيات في أموال اليتامى، فحرمه الله تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحريم في ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين عبده، ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، مما تستقرى جملة آيه في القرآن، وأحاديثه في السنة، ومسائله في فقه الأيمة.
[ ٧٦ ]
ولما كان له متسع وقع فيما بين الحلال الصرف والحرام المحض، أمور متشابهات، لا يعلمها كثر من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما تختلف فيها الأيمة علما، ويتجنب جميعها الصالحون عملا. "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه في العقبى، ولعرضه في الأولى".
وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام، تحقق لهم اسمه الطبيب، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
[ ٧٧ ]