فيما به تحصل قراءة حرف الأمر
اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما، يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى، لما بينهما من التضار والتضاد.
والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم، بأن لا يتخذ مع الله إلها آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾.
وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي، بأن لا يرى لله شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك، في سائر أسمائه الظاهرة، لايصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر.
[ ١٠٦ ]
ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله، لا من العبد [المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصرة من الله، لا من العبد] المجاهد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء، يكون أملك بذلك العمل.
وأما من جهة أحوال النفس: فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة بشيء سواه، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه، وما لها من منة، أو بما تملكه من مملوك، أو بما تستند إليه من غير، ردت جميع عبادتها لما اطمأنت إليه، وكتب اسمها على وجهه، وكانت أمته لا أمة ربها، وكان المرء عبده لا عبد ربه: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة".
وهذا هو الذي أحبط أعمال العاملين، من حيث لا يشعرون،
وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس: فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها، كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان، وأن لا تتحدث في تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم. والصوم الصبر كله، ويصحبها كل ذلك في الحج، مع زيادة اليقين، ويصحبها الجميع في الجهاد، مع غريزة الشجاعة. هذا من جهة حال النفس.
[ ١٠٧ ]
وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح: فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه، ويحضر في قلبه كل جارحة فيه، وينطق بلسانه عن جميع ذاته: أحوال نفس، وجوارح بدن، حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه، وكل حال لنفسه، قسطه منها، كما أشار إليه رسول الله، - ﷺ -، وأعلم بأن بذلك تتحاث عنه الذنوب، كما يتحاث الورق عن الشجر. فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه، وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام، كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، سمع النبي، - ﷺ -، رجلا يؤذن، فلما قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار.
وأما أدب الصلاة: فخشوع الجوارح، والهدوء في الأركان، وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به، وجمع الحواس إلى القلب، كحاله في الشهادة، حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة.
وأما أدب الإنفاق: فحسن المناولة، كان، - ﷺ - يناول السائل بيده، ولا يكله إلى غيره، والإسرار أتم: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وينفق من كل شيء بحسب ما رزثه، مياومة أو مشاهرة، أو مسانهة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وأما أدب الصوم: فالسحور مؤخرا، والفطر معجلا، وصوم الأعضاء كلها عن
[ ١٠٨ ]
العدل، فأحرى عن الجور، وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال، والأخذ فيه بشهوة العيال.
وأما أدب الحج: فاستطابة الزاد، والاعتماد على مابيد الله، لا على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى، والرفق مع الرفيق، والرفق بالظهر، وتحسين الأخلاق، والإنفاق في الهدي، وهو الثج، والإعلان بالتلبية، وهو العج، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه، وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة.
وأما أدب الجهاد: فاستطابة الزاد، وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء، وحسن القيام على الخيل، وتطييب علفها تصفية وورعا، وتناوله بيده، كان رسول الله - ﷺ - يتناول علف فرسه بيده، ويمسحه بردائه. والتزام ما يجد معه المنة؛ من أن يكون فارسا، أو راجلا، أو رامحا، أو نابلا، ومن تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع الحق، وعمل بالتكلف، والصمت عند اللقاء، وغض البصر عند النظر إلى الأعداء. وقال - ﷺ -: "إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم". وكف اليد عما للغير فيه حق، وهو الغلول، وأن لا يدعو للبراز، وأن يجيب إذا دعى، وقال - ﷺ -: "يقول الله ﷿: عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه".
ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه، على ما يستقرأ في السنن النبوية، وآثار الخلفاء، وصالحي الأمراء.
فبهذه الأمور، من إخلاص القلب، وطيب النفس، وأدب الجوارح، تصح قراءة حرف الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١٠٩ ]