فيما به تحصل قراءة حرف المتشابه
اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم، لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماما، لأن حرف المحكم حال تتحقق للعبد، ولما كان حرف المتشابه إخبار الحق، عن نفسه، بما يتعرف به لخلقه، من أسماء وأوصاف، كانت قراءته أن يتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق، ولا مما تناله عقولهم، وإن أجرى بعض تلك الأسماء والأوصاف على الخلق، فبوجه لايلحق أسماء الحق، ولا أوصافه منها، تشبيه في وهم، ولا تمثيل في عقل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالذي تصح به قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب: فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق، ويقف عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها.
وأما من جهة حال النفس: فالاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها، والبراءة من الاتصاف بها، لأن ما صلح للسيد حرم على العبد، كتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى بالغنى، فيقدح في
[ ١١٣ ]
تقواه، فيهلك باسمه ودعواه، وكتحقق ذنهم من تسمية تعالى بالعزة، وعجزهم عن تسميه بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك والسلطان، كالرضا والغضب، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، إلى سائر ما تسمى به في جميع تعرفاته، مما ذكر في المتشابه من الآي، وما أشير إليه من الأحاديث، وما عليه اشتملت واردات الأخبار في جميع الكتب والصحف، ومرأى الصالحين، ومواقف المحدثين، ومواجد المروعين.
وأما من جهة العمل: فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا لما في مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، لأن مقتضاها الرد على المشبهة من هذه الأمة.
وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر، سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب، في قراءة مفرد حرف الأمثال، والله العلي الكبير.
[ ١١٤ ]