وقال الْحَرَالِّي في تفسيره "ألف" اسم للقائم الأعلى المحيط، ثم لكل مستحلف في القيام، كآدم والكعبة، "ميم" اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهره ملك يوم الدين، واسم للظاهر الكامل الموتى جوامع الكلم، محمد، - ﷺ -، ثم لكل ظاهر دون ذلك، كالسماء والفلك والأرض، "لام" اسم لما بين باطن الإلهية التي هي محار العقول، وظاهر الملك الذي هو متجلي يوم الجزاء، من مقتضى الأسماء الحسنى، والصفات العلى، التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر الملكوت. وهذه الألفاظ عند انعجام معناها تسمى حروفا، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخد منفردا، وطرف القول الذي لا يفهم وحده، وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها، ووقوعها أجزاء من الكلم ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك حروفا، وعند النطق بها هكذا: ألف، لام، ميم، [فينبغي أن يقال فيها أسماء،
[ ١٥٣ ]
وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تام] فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل، وإنها تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للابتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء.
وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذكر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى الكلم العربية، وترجمت بها، ونظم منها هذا القرآن العربي المبين، فهي في الكتب العلوية الملكوتيه المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب، فلما نزلت إلى غاية مفصل القرآن أبقيت في افتتاحه لتكون علما على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب، ولأنها أتم وأوجز في الدلالة على الجمع من المفصل منها، ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره، وأظهر مقامه، ومابينهما من الوصلة [و] الواصلة، وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي للعين بالعين والوحي المسموع، ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل في كتاب متقدم، لأن كتاب كل وقت مطابق بحال الكون فيه، والكون كان بعد لم يكمل، فكانت كتبه وصحفه بحسبه، ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمد، - ﷺ -، كان كتابه كاملا جامعا، فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق الختم البدء، لأنهما طرفا كمال، وما بينهما تدرج إليه، وقد كان وعد
[ ١٥٤ ]
بإنزالهما في بعض تلك الكتب، فكان نزولها نجازا لذلك، انتهى.