ولكل قارئ يقرؤه من أهل الفهم والإيقان
اعلم أن الله، سبحانه، أنزل القرآن نبأ عن جميع الأكوان، وأن جميع ما أنبأ عنه من أمر آدم إلى زمن محمد، - ﷺ -، من أمر النبوات والرسالات والخلافات وأصناف الملوك والفراعنة والطغاة، وأصناف الجناة، وجميع ما أصابهم من المثوبات والمثلات في يوم آدم، ﵇، إلى زمن محمد، - ﷺ -، الذي هو ستة آلاف سنة، ونحوها، كل ذلك متكرر بجملته في يوم محمد، - ﷺ -، الذي هو ألف سنة أو نحوها، أعدادا بأعداد، وأحوالا بأحوال، في خير أو شر، فلكل من الماضين مثل متكرر في هذه الأمة الخاتمة، كما قال - ﷺ -: "لكل نبي قبلي، في أمتي نظير" ثم ذكر، - ﷺ -، نظراء مثل إبراهيم كأبي بكر، ومثل موسى كعمر، ومثل هرون كعثمان، ومثل نوح كعلي، ومثل عيسى كأبي ذر. وقال - ﷺ -: "إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، كافرهم ومومنهم، ممن كان وممن سيكون بعد، ولو شئت أن أسميهم لفعلت".
فمما صد أكثر هذه الأمة عن تفهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين وأخبار المثابين والمعاقبين، من أهل الأديان أجمعين، أن ذلك إنما مقصوده الأخبار والقصص فقط، كلا، وليس كذلك، إن ذلك إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه
[ ١٢٦ ]
بمشاهدة متكرره في هذه الأمة، من نظائر جميع أولئك الأعداد وتلك الأحول والآثار، حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقا على هذه الأمة وأيمتها، هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له باب الفهم، ويضيء له نور العلم، وتتجه له حال الخشية، ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال القرون الماضية، وإنه كما قيل في المثل السائر: "إياك أعني، واسمعي ياجارة". ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة، فكان بذلك عالما، ينفتح له باب ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقا على ذاته، في أحوال نفسه وتقلباته، وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره، حتى يسمع القرآن منطبقا عليه، فينتفع بسماع جميعه، ويعتبر بأي آية سمعها منه، فيطلب موقعها في نفسه، فيجدها بوجه ما، رغبة كانت أو رهبة، تقريبا كانت أو تبعيدا، إلى أرفع الغايات، أو إلى أنزل الدركات، فيكون بذلك عارفا.
هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا يرشد لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة علما، وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفانا.
اعلم أن أصول الأديان المزدوجة التي لم تترق إلى ثبات حقائق المومنين، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين، التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا، ثم رائعة القيامة ثانيا، إلى ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين، التي كل موقف منها ألف من السنين. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
فعدد هذه الأديان سبعة، ما من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف
[ ١٢٧ ]
هذه الأمة، ويجده المعتبر في نفسه في وقت ما بقلة أو كثرة، بدوام أو خطرة، بضعف أو شدة، عن أثر رين غالب، أو عن لمح غين زائل. وهذه الأديان السبعة هي:
دين الذين آمنوا، من هذه الأمة، ولم يتحققوا بحقيقة الإيمان، فيكونوا من المومنين، الذين صار الإيمان وصفا ثابتا في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من الحول والقوة، المتحققين لمضاء أقدار الله عليهم بما شاء، لا بما يشاءون: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
وأما الذين آمنوا فهم الذين لايثبتون على حال إيمانهم، ولكنهم تارة وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن، الذين يتكرر عيلهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة، من نحو ما بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾. فهؤلاء هم أهل دين غير ثابت، ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ماضي الأديان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ﴾ المنتظمين أيضا مع المغيرين لأديانهم، والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
[ ١٢٨ ]
فهذا هو الدين الأول.
وأما الدين الثاني: فهو دين الذين هادوا، الذين منهم: ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. والذين: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. والذين: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. والذين: ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. والذين ياكلون الربا: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. والذين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فهؤلاء أهل الدين الثاني.
وأما الدين الثالث: فدين ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، الذين منهم الذين ضلوا عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم، وقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، واتخذوا رهبانهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
وأما الدين الرابع: فدين الصابئة الذين منهم متألهو النجوم، عباد الشمس والقمر، والكواكب ومغيروهم، هم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا.
وأما الدين الخامس: فدين المجوس الثنوية، الذين جعلوا إلهين: نورًا وظلمة، وعبدوا محسوسا أفاقيا.
[ ١٢٩ ]
وأما الدين السادس: فدين الذين أشركوا، وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا، غير مصور، وهم الوثنية، أو مصورا وهم الصنمية.
فهذه هي الأديان الستة الموفية لعد الست، لما جاء فيه.
وأما الدين السابع: فاعلم أن الله، سبحانه، جعل السابع أبدا جامعا لسته، خيرا كانت أو شرا، فالدين السابع هو دين المنافقين، الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا، وباطنهم مع أحد سائر الأديان الخمسة المذكورة، إلى أدنى دين شركها الدين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة، بنحو مما وقع قبل في الأمم الماضية، وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله، - ﷺ -: "لتاخذن، كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل في جحر الضب لدخلتموه، قالوا يارسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب قال: وهل الناس إلا هم".
وما بينه النبي، - ﷺ - في هذا الحديث، هو من مضمون قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وأهل هذه الأديان السبعة هم، أو منهم، هم عمرة دركات جهنم السبع، على ترتيبهم، والناجون بالكلية الفائزون هم المومنون، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين.
ومزيد تفصيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه، بحول الله، من جهات تتبع
[ ١٣٠ ]
طوائف من هذه الأمة صنن من تقدمهم في ذلك.
أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة، فباتخاذهم أصناما وآلهة يعبدونها من دون الله، محسوسة جمادية، كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب، فاتخذت هذه الأمة بوجه ألطف وأخفى، أصناما وأوثانا، فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما، والسبائك والنقر أوثانا، من حيث أن الصنم هو ماله صورة، والوثن ما ليس له صورة، قال - ﷺ -: "صنم أمتي الدينار والدرهم" وقال، - ﷺ -: "لكل أمة عجل يعبدونه من دون الله، وعجل أمتي الدينار والدرهم" فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه، وظنه المفتونين، من هذه الأمة، أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم ينفعهم، حتى يسير مثلهم: "ما ينفعك إلا درهمك" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. فما من آية نزلت في المشركين، في ذكر أحوالهم، وتبيين ضلالهم، وتفاصيل سرهم وإعلانهم، إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه، فموقع قول المشركين في أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. مثله موقع نظيره من قول المفتون: ما أحب المال إلا لأعمل الخير، واستعين به على وجوه البر، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول له أبر، قال - ﷺ -: "إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم" فكل من أحبهما وأعجب
[ ١٣١ ]
بجمعهما، فهو مشرك هذه الأمة، وهما لاتاه وعزاه، اللتان تبطلان عليه قول كلمة لا إله إلا الله، لأنه تأله ماله، قال - ﷺ -: "لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله، مالم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم".
فمن وجد من هذا سمة فليستمع جميع ما أنزل في المشركين من القرآن منطبقا عليه، ومنزلا إليه، وحاقا به، حتى يخلصه الله من خاص شركه، كما خلص من أخرجه من الظلمات إلى النور من الأولين، فيخلص هذا المشرك بما له من ظلمته، التي غشيت ضعيف إيمانه، إلى صفاء نور الإيمان، بما في مضمون قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
فهذا وجه تفصيل يبين نحوًا من تكرر دين الشرك في هذه الأمة.
وأما وجه وقوع المجوسية ونظيرها في هذه الأمة: فإطباق الناس على رؤية الأفعال من أنفسهم؛ خيرها وشرها، وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه، حيث استحكمت عقائدهم على أن فلانا فاعل خير، وفلانا فاعل شر، وفلانا يعطي، وفلانا يمنع، وفلانا حرمني، وفلانا أعطاني، حتى ملأوا الدواوين من الأشعار والخطب والرسائل أمداحا لخلق الله على ما لم يفعلوا، وذما لهم على ما لم يمنعون، يحمدون الخلق على رزق الله، ويذمونهم على ما لم يؤته الله، ويلحدون في أسمائه، حتى يكتب بعضهم لبعض: سيدي وسندي، وأسنى عددي، وعبدك ومملوكك، يبطلون بذلك أخوة الإيمان، ويكفرون تسوية خلق الرحمان، ويدعون لأنفسهم أفعال الله، فيقولون: فعلنا وصنعنا، وأحسنا وعاقبنا، كلمة نمرودية أن أتاهم الله ما لم يشعروا باختصاص الله تعالى فيه بأمره، كالذي "حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك" حين "قال: أنا أحيي وأميت". وهذه هي المجوسية الصرف والقدرية المحضة، التي لايصح دين الإسلام معها، لأن المسلم من أسلم الخلق
[ ١٣٢ ]
والأمر لربه، ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
وما سوى ذلك قدرية، هي مجوسية هذه الأمة، حيث جعلوا للعبد شركة في فعل الرب، وجعلوا له معه، تعالى، قدرة وقوة، ومشيئة واختيارا وتدبيرا، ولم يعلموا أن المقدور منع التدبير، وأنه هو، تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: - ﷺ -: "القدرية مجوس هذه الأمة".
فكل ما أنزل الله، ﷿، في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان، مما عزاه لمن وزع الأفعال بين الحق والخلق، من كلام ذي فرعنة أو نمرودية، أو ذي سلطان، فلمعتقد المدح والذم للخلق حظ منه، على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين زعموا أنهم فيهم شركاء، فخافوهم ورجوهم، فكل خائف من الخلق أو راج منهم، من عداد الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة، فهو من مجوس هذه الأمة.
فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه، يسأل الله التخلص منها، وليعلم أن ذلك لم يزل حجة عليه، وإن كان لم يشعر به قبل.
فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه الأمة.
وأما وجه وقوع الصائبة ونظيرها في هذه الأمة: فيما غلب على أكثرها، وخصوصا ملوكها وسلاطينها، وذوي الرئاسة منها، من النظر في النجوم، والعمل بحسب ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس، والاستمطار بالنجوم، والاعتماد على الأنواء، وإقبال القلب على الآثار الفلكية، قضاء بها وحكما، بحسب ما جرى عليه
[ ١٣٣ ]
النحليون الذين ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ من العناية بها. قال، - ﷺ -: "أربعة في أمتي هن بهم كفر، وليسوا بتاركيهن". فذكر منها الاستمطار بالنجوم، فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة، [كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق، هم مجوس هذه الأمة]، وكما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بدرهمهم ودينارهم هم مشركو هذه الأمة، وما انطوى عليه سر كل طائفة منهم، مما تعلق به خوفهم ورجاؤهم، فهو ربهم ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع أعمالهم، واسم كل امرئ مكتوب على وجه ما اطمأن به قلبه، فكل ما أنزل في القرآن من تزييف آراء الصابئة فهو حجة عليه، حين يقرؤه أو يسمعه، من حيث لا يشعر، حتى يقرأ قوم القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون، ويحسبون أنهم يرحمون به، وهم به الأخسرون ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس، إلى آيات ذكر التسخير لهن، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ
[ ١٣٤ ]
وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾.
كل ذلك ليصرف، تعالى، خوف الخلق ورجاءهم عن الأفلاك والنجوم المسخرة، إلى المسخر القاهر فوق عباده. الذي استوى على جميعها.
فهذا وجه من وقوع الصابئة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة.
وأما وجه وقوع ما غلب على هذه الأمة: وكثر فيها، وفشا في أعمالها وأحوالها، من تمادي طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في اختلافهم، وغلبة أحوال ملوكهم وسلاطينهم، على أحوال أنبيائهم وعلمائهم وأوليائهم، فهو الذي حذرته هذه الأمة، وأشعر أولو الفهم بوقوعه منهم، بنحو ما في مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وما أنبأ به، - ﷺ - في قوله "لتتعبن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم" وفي بعض طرقه: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهارا لكان فيكم ذلك. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "
وإنما قوى وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين، لما أتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة، فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء، وإيثار عرض الدنيا، وسامحوا الملوك والولاة، وحللوا لهم ما حرم الله، وحرموا لهم ما حلل الله، وتوصلوا بهم إلى أغراضهم في الإعتداء على من حسدوه من أهل الصدق والتقوى، وكثر البغي بينهم، فاستقر حالهم على مثل حالهم، وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوبتهم، وتمادى ذلك فيهم، منذ تبدلت الخلافة
[ ١٣٥ ]
ملكا، إلى أن تضع الحرب أوزارها، وتصير الملل كلها ملة واحدة، ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد.
فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر أو باطن، ولم يجمع بينهما في عمله وحاله وعرفانه، فهو، بما لزم الظاهر الشرعي، دون حقيقة باطنه، من يهود هذه الأمة، كالمقيمين لظاهر الأحوال الظاهرة، التي بها تستمر الدنيا على حسب ما يرضي ملوك الوقت وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، المنكرين لأحوال أهل الحقائق، الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، المؤثرين لعرض هذا الأدنى.
فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، مر الأعراب مع النبي، - ﷺ -، بسدرة خضراء نضرة، وكان لأهل الجاهلية سدرة يعظمونها، ويجتمعون عندها، وينيطون بها أسلحتهم، ويسمونها: "ذات أنواط" فقالوا يا رسول الله، اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال، - ﷺ -: "قلتموها ورب الكعبة". "اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة".
إنها السنن، فبحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد، وتعظيم ما ظهر تعظيمه، من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين، فهنالك أعلام اليهودية.
وكذلك أيضا من اقتصر، من هذه الشريعة الجامعة المحمدية، على باطن: من إصلاح حال أو قلب، مع تضييع ظاهر الأمر، ومجامع الخير، وتعاضد الإسلام، واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظهر، فهو من نصارى هذه الأمة، ليس بصاحب فرقان، فكيف أن يكون صاحب قرآن، وذلك أن هذا الدين الجامع، إنما يقوم بمعالم إسلام ظاهرة، وشعائر إيمان في القلوب، وأحوال نفس باطنة، وحقائق إحسان شهودية، لايشهد المحسن مع الله سواه، ولا يومن المؤمن مع الله بغيره، ولا يخضع المسلم إلى شيء من دونه، فبذلك يتم الدين.
[ ١٣٦ ]
وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون: المتفقهة، والتزم بشعائر الإيمان طوائف يسمون: الأصوليين والمتكلمين، وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون: المتصوفة، فمتى كان المتفقه منكرا لصدق أحوال الصوفية، لما لعله يراه من خلل في أحوال المتصوفة، فقد تسنن بسنن اليهودية، ومتى كان المتصوف غير مجل للفقهاء، لما لعله يراه من خلل في أحوال المتفقهة، فقد تسنن بسنن النصارى، وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما مال، وإنما أيمة الدين الذين جمع لهم الله إقامة معالم الإسلام، وإيمان أهل الإيمان، وشهود أهل الإحسان، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فتأتم بهم الصوفية، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات، فيأتم بهم أهل الإيمان، وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة، فيأتم بهم أهل الإسلام. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أفضل الناس مؤمن في خلق حسن، وشر الناس كافر في خلق سيء، فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون.
فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا، لزمه مذام اليهود، فيما أنزل من القرآن فيهم، بحسب توغله أو اقتصاره.
ومن اقتصر على باطن دون ظاهر، لزمته مذام النصارى، فيما أنزل من القرآن فيهم. يذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة، فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر أصلي فيه، قال الراهب: طهر قلبك، مما سواه، وقم حيث شئت. قال ذلك الصالح المسلم: فخجلت منه.
فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس صاحب فرقان، ولا حال صاحب قرآن، لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول، لأنه حاله، وقلبه مطهر مما سوى الله، وبعد ذلك لابد أن ينظف ظاهره، لأن الله، سبحانه، كما أنه الباطن، فيحب صفاء البواطن، فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر.
[ ١٣٧ ]
فصاحب القرآن إذا دعى إلى صفاء الباطن أجاب ولم يتلعثم، وإذا دعى إلى صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ، لقيامه بالفرقان، وحق القرآن.
يذكر أن مالكا، ﵀، دخل المسجد بعد العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ، قم فاركع، فقام فركع، ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك؛ فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا ﴿قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. ووقف النبي، - ﷺ -، على سقاية زمزم، وقد صنع العباس أحواضا من شراب فضيح، والمسلمون يردون عليه، وقد خاضوا فيه بأيدهم، فأهوى النبي، - ﷺ -، يشرب من شرابهم، فقال له العباس: يا رسول الله، "ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية" فقال، - ﷺ -: أشرب من هذا ألتمس بركة أيدي المسلمين، فشرب منه - ﷺ -.
فصاحب القرآن يعبد الله بقلبه وجسمه، لا يقتصر على باطن دون ظاهر، ولا على ظاهر دون باطن، ولا على أول دون آخر، ولا على آخر دون أول. قال، - ﷺ -: "أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره".
فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن في نفسه، ويلحظ مواقع مذامه للفرق، ويزن به أحوال نفسه من هذه الأديان، لئلا يكون ممن يسب نفسه بالقرآن، وهو لا يشعر. فهذا وجه من وقوع هذه الأديان الستة في هذه الأمة.
وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين: فهي داهية القراء وآفة الخليقة، قال، - ﷺ -: "أكثر مناففي أمتي قراؤها". وقال بعض كبار التابعين: أدركت سبعين ممن رأى
[ ١٣٨ ]
النبي، - ﷺ -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق، جهلا بالله، واعتزارا بالناس، فيلتزم لذلك محاسنة أولي البر والصدق ظاهرا، وتكرمهم بقلبه باطنا، وتتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصفه الله، سبحانه، من أحوالهم، وما نبه النبي، - ﷺ -، عليه من علاماتهم، حتى قال: "بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما" كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل، ويتعامى عن محاسنهم، كما روى أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخر لسيئته. والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوئ أهل المساوئ، فكيف بمعايب أهل المحاسن. ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال الصادق، كما ذكر، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله، وعن ذلك المنافق غماز لماز، بخيل جبان، مرتاع مستثقل في مجامع الخير، أجنبي منها، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها، طلق اللسان بالغيبة والبهتان، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله، عم عن الله في كل حال، ناظر إلى الناس بكل وجه، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم، ياخذ من الدين ما ينفع في الدنيا، ولا ياخذ ما ينفع في العقبى، ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا، ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما يضر في الدنيا.
[ ١٣٩ ]
فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة: فلذلك من حق القارئ أن يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه، وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه، وفي سره مع ربه، وفي علانيته مع خلقه، فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقا عليه، خاصا به، حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه، حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه، من وجه ما، ولا يقول هذا إنما أنزل في كذا، وإذا أرهب القرآن في أمر رهبه من وجه ما. وإذا أعلى فكذلك، وإذا أسفل فكذلك، ولا يقول هذا إنما أنزل في كذا، حتى يجد لكل القرآن موقعا في عمله، أي عمل كان. ومحلا في نفسه أي حال كان، ومشعرا لقلبه، أي ملحظ كان، فيسمع القرآن بلاغا من الله بغير واسطة بينه وبينه، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ابتداء، ثم يلين له جلده وقلبه انتهاء، وربما يجد من الله، سبحانه، نفح رحمة، يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن؛ إسوة بالنبي، - ﷺ -، سئلت عائشة، - ﵂ -، عن خلق رسول الله، - ﷺ -، فقالت: "كان خلقه القرآن". وبذلك هو ذو الخلق العظيم، والله واسع عليم، والحمد لله رب العالمين.
* * * *
[ ١٤٠ ]
آخر نسخة باريس المكتبة الوطنية: ب:
[آخر الكتاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم]
* * * *
آخر نسخة المكتبة العامة بالرباط: ط:
[كمل القفل والمفتاح والعروة والتوشية، للشيخ الإمام العلامة: أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن الْحَرَالِّي التجيبي.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، آمين، آمين، آمين، آمين].
[ ١٤١ ]
صفحة فارغة
[ ١٤٢ ]