قال الْحَرَالِّي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك. والآية من كلام الله تعالى، على لسان العلية من خلقه، وجاء مكملا بكلمة "ال" لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقا لشمول معنى الحمد في الوجود كله، وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت الفرق بالميل إلى واحد من جانبيه، وهو الذي ينصب
[ ١٥٠ ]
مثاله - وعلى حذو معناه - بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان، وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها، التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل، وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ضلال ممدوح، لأنه يكون عن سلامة الفطرة، لأن من لا علم له بوجهة، فحقه الوقوف عن كل وجهة، وهو ضلال يلتزم هدى محيطا، منه ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وأما من هدى وجهة ما فضل عن مرجعها فهو ضلال مذموم، لأنه ضلال بعد هدي، وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين ظهر منهم المراغمة، وتعمد المخالفة، فيوجب ذلك الغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و(الضَّالِّينَ﴾ الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك ﴿آمين﴾ كلمة عزم من الأمن، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه، لأنه لا يعجزه
[ ١٥١ ]
شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن مادونه لا ينفك عن عجز أو منع [انتهى] وهو صوت سمى به الفعل الذي هو استجب. وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله، فحازوا ثمرة الرحمة، وخالف هذان القسمان، فكانوا من حزب الشيطان، فأخذتهم النقمة.
وعلم أن نظم القرآن، على ما هو عليه، معجز، ومن ثم اشترط في الفاتحة في الصلاة، لكونها واجبة فيها، الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة [وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم] هـ.
وقال في تفسيره: القرآن باطن، وظاهره، محمد - ﷺ -، قالت عائشة ﵂ "كان خلقه القرآن" فمحمد، - ﷺ -، صورة باطن صورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾.
وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أما للقرآن، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأخر من قوله ﴿اهْدِنَا﴾ شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأصول إلى الله، والتحيز
[ ١٥٢ ]
إلى رحمة الله، والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ذلك، مما ظاهرهن وهذه من الخلق ومبدأه وقيامه من الحق، فمفصل من آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتهى.
* * *