اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا، كانت فيه بزرتان: بزرة للخير، وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر، تنمو فيه وتزكو بزرة الحير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده.
فأول الحروف في الترتيب العملي والأساس لما بعده، هو قراءة حرف الحرام. ليحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان، فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته، إلا أن يطهره الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي، وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل.
والذي به تحصل قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم. ويؤذي النفس، وما يكره الخلق وما يغضب الرب. فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر الله بالتوبة عذب بكل آية قرأها، وهو مخالف لحكمها، من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه، لم يبال الله من أي باب أدخله النار.
[ ٩٣ ]
ولما كان الورع كف اليد، ظاهرًا، عن الشيء الضار، كانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن تقع في النفس روعة باطنة من تناول ذلك الشيء.
ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصرة القلب، لم يصح أن تقع روعة النفس إلا عن تبصر القلب في الشيء الضار، كما لا تنكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره، حتى إن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المنتظف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا، تستقذرهم أهل البصائر، كما يستقذرون هم دود جيف المزابل.
ولما كان الحرام ما يضر العبد في جسمه، كالميتة، تيسر على المتبصر كف يده عنها، لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح، لأنه ميتة بانفصاله عن الحي، ومفارقته لروح الحياة، التي تخالطه في العروق، وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير، لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اغتذى جسمه من لحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان، وتخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق، من الإباء والحران والمكر، والإقدام على ما يعاين فيه الهلاك، ومتابعة الفساد، والانكباب على ما يقبل عليه من أدنى الأشياء، على ما ظهرت في خلقته آياته، فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق.
وكذلك ما يضر بهما وبالعقل، كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس، وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف
[ ٩٤ ]
منها، لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر، وفي مغبتها في يوم الدنيا، إلى ما أخبر به من سوء عقابها في يوم الدين: "من شرب الخمر ومات، ولم يتب منها، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له عليه إمرة، بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما يحمله على الورع عنها.
وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته، فأنف منه رعاية لنفسه، لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره، فيتورع عن أكل أموال الناس بالباطل، لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل، وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت، يتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فهو آكل نارا، وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعيد بالنار، لأن ذلك أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه، وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه، وعدم التفاوت في أثر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقبلها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه
[ ٩٥ ]
تعالى، كما عرف أن [أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن] أكل الربا جنون في العقل، وخيال في النفس: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ من غير الله، وما أخذ من غير الله كان مأكله فسق وكفر لأنه تناول الروح من يد من لايملكها، [ولذلك فرضت التسمية في التذكية، ونقلت فيها سوى
ذلك].
فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه، وروعة النفس منه، وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه، ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله، - ﷺ -، "كثر هؤلاء من القراء لا كثرهم الله". ومن لم يصح له قراءة [هذا الحرف لم تصح له قراءة] حرف سواه، ولا تصح له عبادة، وهو الذي "لا تزيده صلاته من الله إلا بعدا" ولا يقبل منه دعاء، والرجل يكون مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، "يقول يارب، يارب، فأنى يستجاب لذلك".
فهذا وجه قراءة هذا الحرف وشرطه، والله ولي التوفيق.
[ ٩٦ ]