وقال الْحَرَالِّي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف، فضربت الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره، صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى، وأجرى على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ "كيف" لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة، فإن "كيف" كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل الدائم في تكفرون - انتهى.
[ ١٨٠ ]
﴿بِاللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم "الله"، لما لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية، حيث لم يكونوا ممن أجاب مبادرًا ولا تاليا، حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال.
ولما جرى هذا الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غابات، من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾
قال الْحَرَالِّي: من الموت، وهو حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه، تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: رجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب، لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة. والحياء تكامل في ذات ما، أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه، إلى حياة ما يدب بحركته وحسه، إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه، إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي وهذه الأحوال الثلاثة: أي الموت المعبر به عن العدم، ثم الحياة، ثم الموت، معروفة لهم، لا يمكنهم انكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر، لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايقان، وإذا استوفى الموت الأول إحياءه، فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياءه أيضا، لأنه لولا
[ ١٨١ ]
استقبال الحياة لما كان موتا، بل بطلا وفقدا واضمحلالا، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة، ولذلك ورد ما صح عنه، ﵊، في أن الموت يذبح، إعلام بانقضاء جنسه، وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر، وأعقب بالحياة، حيث استغرقتهما كلمة "ال" في قوله: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه، - ﷺ -، في قوله: "نعيم الجنة لا آخر له" فوجب بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما أقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وفي هذا، كما
قال الْحَرَالِّي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله، سبحانه، بداعي العلم في الدنيا، فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا، حيث يشاهدون انقطاع أسبابهم ممن تعلقوا به، ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله. وإنما جاء هذا المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم، حيث يدعونهم فلم يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله، فيرجعون قسرا وسوقا، فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم. كما قال تعالى في خطاب يعم كافة أهل الجزاء: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم، ولسان النكير عليهم، ولذلك كانت آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أخر آية أنزلت في
[ ١٨٢ ]
القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم أهل الجزاء، والرجع عود الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها. انتهى.
﴿هُوَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبدا غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم "الله" إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة.
ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله، وكان هذا خطابا خاصا مع المتمادي على كفره، اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم، تهديدًا رمى به بين أكتافهم وتسبيبا نيط بهم ومد لهم، كالمرخى له في السبب الذي يراد أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا، أو يراد به قسرًا عند انتهاء مدى إدباره.
وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها، وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم "هو" الذي هو غيب اسم الله، وأسند إليه خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى.