وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير، إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لن: وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن، كأنها "لا أن" يسر بالتخفيف لفظها. قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به، فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله، ومن آمن يه فقد قبل أصل رسالته. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، مقابل معنى لكن.
﴿نَرَى﴾ من الرؤية، وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره، الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى.
﴿اللَّهَ جَهْرَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: من الجهر، وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصده، قي مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر، لتحقق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوزه القرب، من خاصة من يقبل عليه النداء، من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهرا، حتى يصله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن
[ ٢١٩ ]
موقع الرؤية، فإن موسى، ﵇، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال، ﵊: "إنكم ترون ربكم" فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب، لما في اسم ﴿الله﴾، تعالى، من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت، لا مع ما هو في المعنى نيل. وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى، فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن، حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به، وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ من الأخذ، وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من البعث، وهو الاستثارة من غيب وخفاء؛ أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم.
قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه "ثم"، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد، كثير رتب العدد، مفهوم لمن استوفى
[ ٢٢٠ ]
مقاصد ما وقعت كلمة "ثم" بينه في الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى، ﵇، ربه في بعثهم، حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وفي "لعل" إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر، ومنهم من لا يشكر - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه، أي هذا الخطاب، آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم؛ فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: وعطف، تعالى، على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين، لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم، وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام، وهر من أمر مابعد البعث، والإرزاق بغير كلفة، وهو من حال ما بعد البعث، وأفهم ذلك أمورًا أخر في أحوالهم، كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا، فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة، إلى شبه أحوال أهل الجنة، في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم، كل ذلك إنعاما عليهم، ثم لم يزيدوا مع ذلك إلا بعدًا عن التبصرة في كل ما أبدى لهم من العجائب: "حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ من الظلمة وهي وقاية مما ينزل من سماء
[ ٢٢١ ]
الموفي. ﴿عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ من الغم، وهو ما يغم النور أي يغطيه - انتهى.