قال الْحَرَالِّي: الطعام ما يقوت المتطعم، ويصير جزاء منه ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ الآية - انتهى.
﴿فَادْعُ لَنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: من الدعاء، وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار، وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه الحاجة من الآمر، لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقتضيه - انتهى.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الإنبات، وهو التغذية والتنمية. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة، فما يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى.
[ ٢٢٨ ]
﴿وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: يقال هو الحب الذي يخبر - انتهى.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾
قال الْحَرَالِّي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا، الذي يجمع هذه المطالب التى طلبوها، لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها، ومنه سميت مصر، لجماع أمر ما في الدنيا فيها، وغرابة سقياها، وإن وافق ذلك ما يقال: إنها سميت مصر باسم رجل، فالوفاق في حكمة الله، لأن كل دقيق وجليل فيها جار بعلم الله وحكمته، حيث كانت من وراء حجاب يخفيها، أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ والسؤال
قال الْحَرَالِّي: طلب ما تدعو إليه الحاجة، وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى: أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته، لا في المفاوز التى تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيرا ما تنخرق العادة لأولياء هذه الأمة في المفاوز، وقل ما تنخرق في الأمصار، والقرى، لما في هذه الآية مضمونه، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح رزق الله عن كلمته، دون كلفة حكمته.
ولما نظم سبحانه بنبأ موسى، ﵇، ما كان من نبأهم مع يوشع، ﵇، بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى، ﵇، ما كان منهم بعد يوشع، ﵇، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم، من حسن المظاهرة لنبيهم، إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم، ﵈، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا، [و] رئاستها ومالها، على الآخرة؛ إيثارا للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب
[ ٢٢٩ ]
في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفا إن شاء الله تعالى - انتهى.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة، غايتها في الظهور ما عطف عليها، كأن الخطاب يفهم: فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم، ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم، فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم ما شاء الله، ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة؛ سكونا وانكعاف حراك - انتهى.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم، من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام، والمتشابه بالأعلى من الطيب والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منه المراغمة في معصيتهم واعتدائهم - ذكر فعلهم - انتهى.
﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب، والكفر بآيات الله كفر بشهادة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ - انتهى.
[ ٢٣٠ ]
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهذا جمع نبىء، وهو من النبأ، وهو الإخبار عن غيب عجز عنه المخبر به، من حيث أخبر - انتهى.
﴿بِمَا عَصَوْا﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو مخالفة الأمر - انتهى.
﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد فيما يفسح فيه إلى حد لاعذر لمجاوره، من حيث فسح له سعة ما فسح، وحد له ما حد - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما أنهى الحق، تعالى، نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته؛ مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضا، في مقابلة ذلك الإقبال الأول، وكانوا هم أول أهل كتاب - أشعر، تعالى، بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعا، لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى.