قال الْحَرَالِّي: وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إعلام بأن حاجة الإنسان لاتقوم بشيء دون شيء، وإنما تقوم بكلية ما في الأرض، حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى
[ ١٨٣ ]
السماء الذي هو موضع التخوف لهم، لنزول المخوفات منه عليهم، فقيل لهم: هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة، فالأحق بمجرى الكلم وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها نبأ عما في ملكه وإشهاده، فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ظهر الملك والملكلوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه، في نباء الله عن نفسه أحق حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلا، واستوائها على الجسم، ثم على الرأس مثلا، واستوائه على الجثة، فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها، بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ، وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء.
﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أعطى لكل واحدة منهن حظها: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما جعل الله، تعالى، نور العقل هاديا لآيات ما ظهر في الكون، وكان
[ ١٨٤ ]
من الخلق مهتد به، ومعرض عنه، بعث الله النبيئين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسه، وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك، وشغلته شهوات دنياه فترتب لذلك خطاب الكتاب؛ بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين، وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأيمة المهتدين والمؤتمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأيمة وسيد السادات، وأحظى خلق الله عند الله، محمد، - ﷺ -، فكان أول الخطاب بـ ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول، كما قال ﵇: "أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول" وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله، ﷿، بما في الذكر الأول، وأنزله قرآنا، ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق، ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد، - ﷺ -، انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة، تنبها لمن أعرض عن الاستفادة بنور العقل، لما بين الطرفين من تناسب التقابل. ثم عاد وجه الخطاب إليه، - ﷺ -، بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم، ليكون ذلك ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل، كما كانت آية الدعوة تنبيها للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته، وغائب أيام الله الماضية، ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك
[ ١٨٥ ]
الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الايمان إلى رتبة اليقين، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور:
أحدها: التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء من اسمه الملك، إلى اسمه الرحمن الرحيم، إلى اسمه رب العالمين، إلى اسمه العظيم الذي هو الله.
والثاني: التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيبا وترهيبا.
والثالث: الإعلام بماضي أمر الله، جمعا للهمم للجد والانكماش في عبادة الله.
والرابع: التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه، فكان أول النزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله، وهو كتب مقتضى العلم والقدر في قسمه تعالى عباده بين: مؤمن، وكافر، ومنافق، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير، فعم به الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاما لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفا على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى: "وإذ" فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله؛ إفصاحا في اللفظ أو إفهاما في المعنى، وإنما يقع ذلك لن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه، "وإذ" اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، "قال" من القول، وهو إبداء صور الكلم نظما، بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة
[ ١٨٦ ]
جمعا، فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره.
ثم قال: لما أنبأ الله، ﷿، نبيه، - ﷺ -، بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة، ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه، فانتظم ذلك رتبتي أمر، نظم، تعالى، بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا على ذكر خلق أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه، وهو، والله أعلم، ذكر خلق محمد، - ﷺ -، الذي هو خبء خلق آدم، فكأنه، تعالى، أعلم نبيه، - ﷺ -، بأمر خلقه له بدء وحي سر، ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي علن، ليكون أمر خلق محمد، - ﷺ -، عند الخاصة، فهما، كما كان خلق آدم عند العامة إفصاحا، وكان المفهوم: اذكر يا محمد، إذ كان في خلقك كذا، وإذ قال ﴿رَبُّكَ﴾ أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ ما أنزل.
وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملأك، مقلوب من مألك، من الألك، وهي الرسالة فتكون الميم زائدة، ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعا للمعنيين، منحوتا من الأصلين، فكثيرا ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة، كلفظ إنسان، بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معا، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحدا. فللكلام رتبتان: رتبة عامة، ورتبة خاصة، أفصح وأعلى كلما وكلاما.
قال فيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق
[ ١٨٧ ]