قال الْحَرَالِّي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر ثم قال: و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة، حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل إثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لايتأخر عن الذنب، وإنما يخفى لوقوعه في الباطن، وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه، ﵊: "أن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء". وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله، وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا: ﴿مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كما قال
[ ١٤٦ ]
تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وكما ورد عنه ﵊: "الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها"، وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به، ومنهل التجهم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال ﵊: "المرض سوط الله في الأرض يؤدب الله به عباده"، وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص، وغير ذلك.
وهو تعالى ملك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدع أو لم يدع، فهو تعالى بمقتضى ذلك [كله ملك] يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة، وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي، لأن به رجع الأمر عودًا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال،
[ ١٤٧ ]
كما قال تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ و﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وبه تم انتهاء الشرف العلي، وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: ﴿مجدني عبدي﴾ انتهى.