بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العبد، وعلى آله القائمين لله بالله بوفاء العهد، والرضا عن أصحابه المجدين في سبيل الله أتم الجد، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الوعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أما بعد، فإن لله مواهب جعلها أصولا للمكاسب، فمن وهبه الله عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خرقا نقص حظه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في جميع أموره علمه وفهمه، ومن أتاه فصل خطاب أبان به حقيقة ما علمه.
وإن الله تعالى إذا أقام داعيا له اختار له من يلقي عنه ويتبين منها؛ أولي أحلام ونهى، يحملهم الله ببداية إفضاله بها عليهم إلى المنتهى، وإنه إذا خوطب قوم ببيان،
[ ٢٤ ]
وحوروا بتبيان، فلم يلقنون ولا فهموا، علم أن أساس مواهبهم يحتاج إلى تزكية تهيئهم إلى ما يقصد بهم من التفهم بقوانين وتنبيهات عل أمور جامعات. فاتخذ للمقصرين في اللسن قوانين النحو، حين اعوجت الألسنة، وكان أول من اتخذ ذلك أبو الأسود الدؤلي، ﵀، في زمن علي، ﵇.
واتخذ للناقصي التعقل والتصور علم المعقولات، وذلك في زمن حكماء اليونانيين. واتخذ للناقصى الإبانة والبلاعة علم الأدب، وكان أول من صنف في ذلك وجمع شتاته أبو عمرو، الجاحظ، ﵀.
واتخذ للناقصي التفهم في علم الأحكام من كتاب الله، وسنة رسول الله، علم أصول الفقه، وكان أول من وضع في ذلك الإمام المطلبي أبو عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي ﵁.
وإن الله سبحانه يقيم من أمره ما شاء، ويزيد في الخلق ما يشاء. وإن أتم الزيادات وأكملها، من وهبه الله فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، وإحاطة بما شاء من إحاطة علم القرآن. ففيه تمام شهود ما كتب الله بمخلوقاته من ذكره
[ ٢٥ ]
الحكيم، بما يزيل عنايته من غطاء الأعين، ونبأ ما نزل من الذكر المبين، بما يسمع من يشاء بتأييده روح منه، فيندرج في علمه كل علم، من أصناف علم الخلق وعلم الأمر، طبعا وعقلا وإيمانا ويقيا، إذ فيه تفصيل كل شيء، وتنزيل كل وحي، ولذلك كان ختما لكل كتاب، ونبوة المنزل عليه ختما لكل نبوة ورسالة، كمل محمد، - ﷺ - في دار الدنيا قلبا، وفي ليلة الإسراء ذاتا: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ وذاته هي آية ربه الكبرى، "من عرف نفسه عرف ربه" ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. وكمل آله قلبا ووجدا بوجد ذاته ليلة إسرائه، ومن دونه وآله يتكاملون بهم نشئا نشئا، وتماما تماما في الداربن "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". إلى ما شاء الله من سر قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. وذلك من وراء آباد، والله واسع عليم. وقد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم على، ﵇، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب الحجاب، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء.
وإن كثيرًا من العلماء والأدباء والعقلاء خاضوا في علم القرآن تفسيرًا مما بدا منه في يوم الدنيا، وتأويلا لما يبدو منه في يوم الآخرة، وفهما لما هو عليه دائما، حيث لا ليل، ولا نهار.
فأما قوانين تفسيره ففي علم النحو والأدب، وأما قوانين تأويله ففي علم
[ ٢٦ ]
الإيمان، وتحقيق أن الخبر ليس كالعيان، وأما قوانين التطرق إلى فهمه، ففي قلوب عباد اختصهم الله بالفهم، وآثرهم بإحاطة من العلم، تأمن بهم القرون، وتنجلي بهم ظلم الفتون، لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. حتى يأتي أمر الله".
وإن مما أقامه الله لتتبع علم التفسير والتأويل، تم فتح عليه حظا من التطرق للفهم، بما زكاه الله من الزهد، والقيام على باب الله عشرين سنة - الشيخ الإمام عالم المدينة في وقته؛ أبا عبد الله محمد بن عمر القرطبي، قدس الله روحه.
وإنما توقف الفهم على مثل حاله، لأن الله، سبحانه، أباح علم الآيات بغير شرط، وجعل من دون تعلم الكتاب، والحكمة، التزكة بالزهد، والوجهة إلى الله، ﴿يتلوا عليهم آياته يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
فكان مما يسره الله رؤيته والقراءة عليه، تفهمنا عليه الفاتحة في أربعة
[ ٢٧ ]
أشهر، وكان يفيد قوانين في التطرق إلى الفهم، تنزل في فهم القرآن منزلة أصول الفقه، في تفهم الأحكام.
ثم من الله سبحانه، ببركات ومواهب لا تحصى، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاستخرنا الله سبحانه، في إفادة قوانين تختص بالتطرق إلى تفهم القرآن، ويتنبه بها، بأيد من الله وروح منه، إلى على البيان، يكون "مفتاحا لغلق الباب المقفل، على تدبر القرآن المنزل" ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
قوم منعهم من فهمه تفسيره وشغلهم بما حضر من دنياهم، وقوم منعهم من فهمه تأويله وشغلهم بما سمعوا من أمر أخراهم، وقوم منعهم من فهمه سابق آراء عقلية انتحلوها، ومذاهب أحكامية عقلية تمذهبوا بها، فإذا سمعوه تأولوه لما عندهم، فيحاولون أن يتبعهم القرآن، لا أن يكونوا هم يتبعونه، وإنما يفهمه من تفرغ من كل ما سواه. "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين".
فإن للقرآن علوا من الخطاب يعلو على قوانين العلوم علو كلام الله على كلام خلقه، فنورد، بعون الله، والتأييد بروح منه، أبوابا تشتمل على ما يجريه الله من: "مفتاح الباب إلى فهم الكتاب" والله الولي الحميد.
[ ٢٨ ]
الباب الأول