قال الْحَرَالِّي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة، فيما يحصل به الري من السقي، والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو مقالا، قال، - ﷺ -: "اللهم اسق عبادك"! ثم قال: "وأحي بلدك الميت" - انتهى.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الضرب، وهو وضع الشيء على الشيء بقوة، ﴿بِعَصَاكَ﴾ والعصا كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو، كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العاصي، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا؛ اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى.
[ ٢٢٦ ]
﴿فَانْفَجَرَتْ﴾
قال الْحَرَالِّي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعي، أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه، ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ والعين،
قال الْحَرَالِّي: هو باد نام قيم يبدو فيه غيره فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين، يقال إن العين مطر أيام لايقلع، وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من الحواس عين، والركية، وهي بئر السقيا، عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول "الركبة" بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء المشددة - كذا قال.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو اسم جمع من الأنس - بالضم - كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين، لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمين بها، من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل، اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب، أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد، فجعل، سبحانه، سقياهم آية من آياته في عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة، وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد، - ﷺ -، حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء، ومنه كل حي، وفيه كل مجعول ومصور - انتهى.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جري العادة حكمته في الأرض، فكان من غيب، فأضيف ذكره لاسم الله الذي
[ ٢٢٧ ]
هو غيب. ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ من العثو، وهو أشد الفساد، وكذلك العثي، إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، أن العثو إفساد أهل القوة بالسطوة، والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهى إشعارا بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعارا بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به؛ لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن أمره، وما منع منه لاينهى عنه، لاكتفاء إجباره عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده، وهي مباني أجساد بني آدم، فكيف بالمؤمنين منهم؟! فكيف بالأنبياء منهم؟! انتهى.