قال الْحَرَالِّي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات؛ بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته، صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه، - ﷺ -، لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم، ترفيعا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء، فيجعل بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق، تعالى، ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم، حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى.
﴿لِقَوْمِهِ﴾ والقوم،
قال الْحَرَالِّي: اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء، لضعفهن فيما يحاولنه، وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم، فيعرض عنهم - انتهى.
﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله، فكيف لمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه الحيوان من جماد الذهب، الذي هو من المعادن، وهو أخفض المواليد رتبة، حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض، كالنبات من النجم والشجر، ولما فيه من الانتفاع بما يكون
[ ٢١٧ ]
من الحب والثمر الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودا، منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾
وقال الْحَرَالِّي: البارئ: اسم قائم بمعنى البرء، وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا وقميصا، وكالذي يطحن القمح، ويعجن الطين ليجعله خبزًا وفخارا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته انتهى.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته، بمنزله قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والخير.
قال الْحَرَالِّي: ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء، وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خير محذوفة، فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه، أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله، وهما مشعران بمتوسط من الأشياء، لا يختار لأجل زيادة صلاح، ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة: "عند" كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه ما عام، وأخص منه لدن، فلدن خاصتها، وعند عامتها، كالذي يملك الشيء، فهو عنده، وإن لم يكن في حضرته - انتهى.
﴿هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير
[ ٢١٨ ]