قال الْحَرَالِّي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليما بالأسماء، وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون من كل شيء، ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم، ﵇، - بما علمه الله وأظهر له علاماته في استبصاره الشيء - اسمان جامعان: اسم يبصره من موجود الشيء، واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة، يحاذي كل وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة، وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع، وذلك الاسم هو العربي، الذي به أنزل خاتم الكتب، على خاتم المرسلين، وأبقى دائما في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة: ﴿حم حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى.
[ ١٩٢ ]
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ و"لما" كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين، فتجمع معنى الشرط والظرف - قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي في التفسير، وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة، وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم، حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالا، ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف، كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف، فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب، وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم، لا عن توقيف، كما هو عند الملائكة من آدم، ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى.
[ ١٩٣ ]
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية، وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله فيما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾. انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم، ما في صيغة تبدون من تمادي بادي ذلك منهم - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم، ﵇، نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلا، كما انقادوا له علما، تماما لكمال حالهم في التسليم علما وعملا، فقال تعالى: انتهى.