ألفاظ التقوية هي الألفاظ التي يستخدمها المفسر في بيان قوةِ أحدِ الأقوال في التفسير، ويمكن أن تدل بمفردها على الترجيح، كأن تكون بصيغة التفضيل (كقولهم: وهذا أقوى الأقوال) أو صيغة القصر (كقولهم: وهذا هو القول الصحيح)، فتكون من المرادفات للفظ الترجيح، ويمكن أن يدل اللفظ على مجرَّد التقوية، ثم قد يدل السياق على تفضيل هذا القول على غيره، فيكون هو القول الراجح، وقد لا يدل، كأن يذكر ما يقوِّي الأقوال الأخرى في المسألة، أو يكون في بقية كلامه ما يشير إلى تساوي الأقوال في القوة والاعتبار بها جميعًا، أو تكون المسألة من عدة أقوال، وتكون الموازنة فيها بين قولين فقط.
وهذه الألفاظ منها ما هو دارجٌ عند كثيرٍ من المفسرين، ومنها ما يختص به مفسرٌ معيَّنٌ أو مدرسةٌ معيَّنةٌ في التفسير، وبالاستقراء ظهرت لي مجموعةٌ من الألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في تقوية الأقوال، بعضها من ألفاظ التقوية العامة بين المفسرين، وبعضها خاصٌّ غير شائعٍ بين المفسرين.
والمقصود هنا هو اللفظ الذي يُوصف به نفس القول ليدلَّ على قوَّته، وأما الكلامُ عن معنى هذا اللفظ ودلالاته، والكلامُ عن القرائن التي تدل على الترجيح (كأن يقول: وهذا أوفق مع السياق، أو وهذا قول أكثر النحويين والمفسرين)، فهذا يكون ذِكْرُه عند طُرق الترجيح وقواعده.
والألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في التقوية هي كما يأتي:
١) وصف القول بأنه (الظاهر) أو (الأظهر):
وهما من أكثر الألفاظ التي يُعبِّر بها عن الترجيح، وسيتضح هذا في كثير من المسائل في الفصل الآتي، ومن الأمثلة في ذلك ما ختم به أحد المسائل بقوله: "وبالجملة، فالقول الأول هو الظاهر" (^١)، وقوله أيضًا: "وقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٧] فيها وجهان أظهرهما أنها مبتدأ … والثاني أنها خبر مبتدأ مضمر … وهذا غير ظاهر فالأول الوجيه" (^٢).
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٧٧).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٠٦).
[ ٣٤ ]
٢) وصف القول بأنه (حسن) أو (الأحسن):
وهذا كثير، ومن الأمثلة في ذلك قوله بعدما نقل كلام شيخه أبي حيان: "وهو بحث حسن" (^١)، وقوله بعدما نقل الوجه البلاغي عن الزمخشري: "وهو حسنٌ جدًّا" (^٢)، وقوله: "فالأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية" (^٣)، وقوله في إجابة أحد الإشكالات: "فيُجاب بما قدمناه من المغايرة، وهو أحسن مِنْ قولِ مَنْ قال إنه جُمع بينهما تأكيدًا" (^٤).
٣) وصف القول بأنه (أولى) أو (الأَولى):
ومثاله قوله في الموازنة بين تقديرين في الآية: "والتقدير الأول أولى" (^٥)، وقوله في ترجيح أحد الأقوال: "والأَولى حملُ ذلك على التمثيل" (^٦)، وكذلك قوله: "والأَولى حملُ اللفظ على عمومه" (^٧).
٤) وصف القول بأنه (الوجيه) أو (الأوجه):
وفيه المثال السابق في قوله: (فالأول الوجيه)، وأيضًا قوله ﵀: "وفي انتصاب ﴿ثَوَابا﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثمانية أوجه، أوجهها أنه منصوب على المصدر" (^٨).
٥) وصف القول بأنه (الصحيح):
قال في تفريع أحد المسائل: "ولكن حذف أحد مفعولَي (ظنَّ) اختصارًا فيه خلاف، والصحيح جوازه" (^٩).
٦) وصف القول بأنه (أقرب إلى الصواب):
ومثاله موازنتُه بين قولين لشيخه أبي حيان، فاستحسن القول الثاني منهما وقال: "وهو
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٢٧).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٣٢).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٣٧).
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١١٣).
(٥) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٣٣).
(٦) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٨٣).
(٧) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٤٤٤).
(٨) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٤٤٠).
(٩) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٤٩).
[ ٣٥ ]
أقرب من قوله الأول إلى الصواب" (^١).
٧) وصف القول بأنه (المشهور):
قال ﵀ في لفظة (كأين): "واختلف الناس فيها؛ هل هي مركبة أم بسيطة، والمشهور أنها مركبة" (^٢)، وقال في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوصٌ عند القاضي حاجته" (^٣).
٨) وصف القول بأنه (أيسر):
قال ﵀ في الموازنة بين تقديرين في الآية: "وهذا أيسر، لعدم الاحتياج إلى التأويل" (^٤).
٩) بيان أن القول مُعتبَرٌ عنده بقوله: (وعندي):
وذلك مثل قوله: "وعندي أنه يجوز أن تكون اللام مزيدة" (^٥).
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢١٨).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٧٤).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٨١ - ٣٨٢).
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٩٣).
(٥) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٤٦١)، وقد وقفت في الدر المصون على أوصافٍ أُخر، مثل: أجوَد: (٨/ ٣٦٦)، وأقوى: (٢/ ٤٥٩)، وأوضح: (٧/ ٥٣٩)، وأقرب: (١٠/ ١٢٣)، وأنه المختار: (٢/ ١٢٠)، وخير الأقوال: (٩/ ٤٩٥)، وأنه التحقيق: (٥/ ٢٨٧).
[ ٣٦ ]