مما سبق في تعريف الترجيح في اللغة والاصطلاح يتبيَّن أن عملية الترجيح تمر بشيئين:
• الأول: الموازنة بين الأقوال، والنظر في أوجه القوة والضعف فيها.
• الثاني: تبيين القول الراجح منها، وإظهار فضله على بقية الأقوال.
والثاني منهما هو الذي لا بد من ظهوره والوقوف عليه لمعرفة القول الراجح، وأما الموازنة بين الأقوال فقد يُظهرها المُرجِّح وقد لا يُظهرها، فيكتفي بإجراء الموازنة بين الأقوال في ذهنه، ثم يبين القول الذي ترجَّح عنده.
فعند دراسة طريقة أحد المصنفين في الترجيح يجدر التنبه للأمرين، ونظرًا إلى أن الأمر الثاني هو الذي يظهر دائمًا في الترجيح، وهو أسهل في البيان من الأمر الأول، فقد اخترت البدء به هنا، وجعلته المطلب الأول.
يسلك السمين الحلبي طرقًا متعددة يمكن من خلالها معرفة القول الراجح عنده، وهذه الطرق منها ما هو ظاهرٌ جَلِي، يتضمَّن ألفاظ الترجيح، مثل تصريحه بالقول الراجح في بداية المسألة (كأن يقول: في المسألة ثلاثة أقوال، أظهرها كذا وكذا)، أو أثناء تعداد الأقوال في المسألة (كأن يقول: والقول الثاني -وهو الظاهر- كذا وكذا)، أو أن يذكر ذلك في آخر المسألة (كأن يقول: والقول الأول هو الصحيح)، فهذه الأمثلة ظاهرة لا تحتاج إلى تفصيل، وقد تقدَّم ذكر شواهدها في ألفاظ الترجيح، لكن الشأن في الطرق التي يسلكها ولا يُصرِّح فيها بألفاظ الترجيح، ويُعلَم من عادته أنها قرائن تدل على تقويته للقول، وتقديمه على غيره، وهي في النقاط الآتية:
أولًا: أن يعتمد على أحد الأقوال في التفسير ثم يذكر الخلاف بعده:
ربما اعتمد السمين الحلبي على معنى القول الراجح في ذكر مناسبة الآية لما قبلها أو في تفسير الآية أو في إعرابها، وهذا إشارةٌ منه إلى ترجيحه لهذا القول، فمن فسَّرَ الآية بقولٍ فهو مختارٌ له (^١)، وهذه قاعدة نافعة في معرفة الترجيح إذا لم يكن ظاهرًا من ألفاظ الترجيح؛ أن يُنظَر في كلام المصنف قبل ذكر الخلاف أو بعده، فإن كان معتمدًا على أحد الأقوال التي ذكرها في
_________________
(١) ينظر في منهج الإمام ابن جرير الطبري في الترجيح بين الأقوال التفسيرية للدكتور حسين بن علي الحربي (١/ ٧٨).
[ ٤٠ ]
الخلاف، فهذا إشارةٌ منه إلى ترجيحه لذلك القول، ومن أمثلة هذا عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ [آل عمران: ١٧٦]؛ قال ﵀ في بداية تفسيره لهذه الآية: "وجه مناسبتها لما تقدَّمها أن يُقال: لمَّا نهى المؤمنين عن خوف الكفار وأمرهم بخوفه خاصة عقَّب ذلك بنهيه لرسوله ﵇ بأن لا يحزنه أمرهم ولا يهتم بشأنهم، فإن ما يكيدون به راجعٌ عليهم لا يتعداهم.
ومعناه: لا تتوقع خيرًا ولا ضررًا منهم، ولذلك علَّل بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ …
وقيل: معناه: لا تهتم بعدم إيمان من لم يؤمن من قومك، فإن ذلك ليس إليك … غير أن هذا التفسير لا يلائمه قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ كل الملاءمة" (^١).
فيظهر هنا اعتماده على القول الراجح عند ذكر مناسبة الآية لما قبلها، واعتماده عليه في تفسير الآية بعد ذلك.
ثانيًا: أن يقدِّم أحد الأقوال عند ذكر الخلاف في المسألة ويبدأ بذكره أولًا:
هذه الطريقة اصطلاحيةٌ في الترجيح، فإذا اصطلح المفسِّر على تقديم القول الراجح -سواء ذكر هذا الاصطلاح أو عُرف بالاستقراء- فإن هذا يعتبر في الاعتداد بترجيح القول الذي يُقدِّمه أولًا، سواء نصَّ على ترجيحه أو لا (^٢)، والذي يظهر بالاستقراء أن السمين الحلبي يراعي تقديم القول الأول في عرض الأقوال، ويعتبر التقديم إشارة إلى الترجيح، والذي يدل على مراعاته لهذا الاصطلاح أنه يعمل به مع غيره، فقد ذكر مسألةً وذكر القولين فيها ثم قال: "والزمخشري حكى القولين إلا أنه بدأ بالثاني فقال … " (^٣)، والذي يظهر في الكشاف أن الزمخشري يرجِّح هذا القول الذي بدأ به، لأنه ذكر وجهه وأجاب عن الإشكال عليه (^٤)، وفي
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٢) ينظر في منهج الإمام ابن جرير الطبري في الترجيح بين الأقوال التفسيرية للدكتور حسين بن علي الحربي (١/ ٩٣).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٥٤).
(٤) ينظر في الكشاف (١/ ٤٤١).
[ ٤١ ]
مسألةٍ أخرى حكى القولَ الأول وقال: "وبهذا بدأ الزمخشري" (^١)، ولم يظهر في الكشاف ترجيحٌ في هذه المسألة (^٢)، لكن تقديم القول إشارة إلى ذلك، كما نبَّه إليه السمين الحلبي في عبارته.
والذي يظهر أن يُراعى هذا الأمر مع السمين الحلبي كذلك، فإذا لم يظهر منه ترجيح لأحد الأقوال في المسألة، فإن تقديمه للقول قرينةٌ على الترجيح، لكن لا يُعتمد عليها وحدها، لأنه في بعض الأحيان يُرجِّح القول الثاني أو الأخير، فلا بد لها من قرينةٍ أخرى تعضدها، ومثال ذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]؛ قال ﵀: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوص عند القاضي حاجته، لا سيما في الكنف المُعدَّة لذلك، ومذهبُ الشافعي أن ذِكْرَ الله في ذلك المكان وفي هذه الحالة حرام … وممن أخذ بظاهر الآية وعمومها: عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين؛ يجوز أن يُذْكَر الله حتى في هذه الحالة وهذا المكان" (^٣)، فتراه هنا قدَّم القول بالتخصيص، ووصفه بأنه المشهور وذكر مذهب إمامه الشافعي الموافق لهذا القول، ثم ذكر القول الآخر ولم يذكر ما يقويه، فدل على ترجيحه للقول الأول.
ثالثًا: وصف صاحب القول بما يدل على قوة قوله أو ضعفه:
لأن الإشادة بصاحب القول في سياق إيراد قوله تدل على استحسان قوله والميل إليه، ومن ذلك أنه اكتفى في أحد المسائل بنقل قولين في معنى الآية: قول الزمخشري، وقول الشيخ أبي حيان في الاستدراك عليه، ثم ختم المسألة بقوله: "وهذا الذي قاله الشيخ وإن كان رجح اللفظ نقيضه، إلا أن السياق والقرائن يدل على المعنى الذي ذكره المفسرون" (^٤)، فتراه هنا يشيد بقول الزمخشري، ويجعل قوله هو قول المفسرين.
وفي مقابل ذلك فإن استغراب القول من قائله أثناء إيراد قوله يدل على تضعيف ذلك
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٢٤)
(٢) ينظر في الكشاف (١/ ٤٢٧).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٨١ - ٣٨٣)
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٥٧).
[ ٤٢ ]
القول، ومن ذلك قوله: "وأغرَبَ أبو البقاء فجعل الواو في ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] مزيدة" (^١).
رابعًا: الاستدلال لأحد الأقوال وتوجيهه دون غيره:
إن حشد الأدلة لقولٍ واحد في المسألة وإهمال الاستدلال لبقية الأقوال دليلٌ على ترجيح ذلك القول والاعتماد عليه، ومن عادة السمين الحلبي أن يبحث عن الأوجه والأدلة لجميع الأقوال في المسألة ويذكرها، حتى الأقوال التي يضعِّفها (^٢)، فإذا اقتصر على قولٍ واحدٍ في الاستدلال والتوجيه دلَّ على أن المعتمد عنده هو هذا القول الذي يستدل له ويوجهه، مثاله ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]؛ قال ﵀: "وقد اختلف المفسرون في ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هنا؛ هل المراد بهم كل كافرٍ أم طائفةٌ مخصوصة؟ فذهب بعضهم إلى العموم، وهو ظاهر الآية؛ قال ابن عطية: «معنى هذه الآية: الردُّ على الكفار في قولهم: إن كوننا ظاهرين مُمَوَّلين أصِحَّةً دليلٌ على رضى الله بحالنا، واستقامةِ طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برَّةٍ ولا فاجرة إلا والموت خيرٌ لها، أما البَرَّة فلِتُسرِع إلى رحمة الله، وقرأ ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثمًا، وقرأ هذه الآية (^٣)» (^٤) انتهى.
وذهب ابن عباس وآخرون إلى أنها خاصةٌ باليهود والنصارى والمنافقين؛ قال: نزلت في هؤلاء، وجعلها مقاتل في مشركي مكة، وقال عطاء: هي في قريظة والنضير.
وقال الزجاج: هؤلاء قوم أعلَم الله نبيه أنهم لا يؤمنون، وليست في كل كافر" (^٥).
فيظهر هنا أنه أطال النقلَ في بيان معنى القول الأول وتوجيهه، ثم تعرَّض للأقوال الأخرى، ولم يذكر وجهها ولم يستدل لها، فدل على ترجيحه للقول الأول.
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٣٥)
(٢) وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله فيما تميَّز به السمين الحلبي في الترجيح والتضعيف ومناقشة الأقوال.
(٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٢٨)، والطبري في تفسيره (٦/ ٢٦٢)، وابن المنذر في تفسيره (٢/ ٥٠٩).
(٤) المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٤٦).
(٥) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ٤٣ ]
خامسًا: الاكتفاء بنقل أقوال غيره في تقوية الأقوال وتضعيفها من غير التعقيب عليها:
قد يكتفي السمين الحلبي بالنقل عن غيره في مناقشة الأقوال في المسألة والتعقيب عليها من غير أن يناقش الأقوالَ بنفسه، ويظهر ذلك جليًّا في نقله لردود شيخه أبي حيان على الزمخشري، فإذا نقل حكم غيره على قولٍ في المسألة ولم يُعقِّب عليه فإن ذلك يدل على تبَنيه لذلك الحكم، فإن المعروف عنه أنه لا ينقل القولَ الذي يُنكِره إلا ويُعقِّب عليه، كما سيأتي بيانه فيما تميَّز به في الترجيح والتضعيف ومناقشة الأقوال.
ومثال هذه الطريقة قوله ﵀: "وفي ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] (^١) وجهان:
أحدهما: أنه عطف على: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وبهذا قال الزمخشري كما قدمنا تقريره عنه، وناقشه فيه الشيخ فقال: «وفيه بُعد لِطول الفصل بين المتعاطفين» (^٢).
والثاني: أنه عطف على: ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، فيكون في موضع خفضٍ بإضافةٍ إليه (^٣)، وجعل الشيخ هذا هو الظاهر" (^٤). فلم يحكم السمين الحلبي هنا على أحد القولين بشيء، وإنما اكتفى بالنقل عن شيخه أبي حيان في تضعيف القول الأول وترجيح القول الثاني، وحين نرجع إلى الدر المصون يظهر لنا أنه يُرجِّح ما رجَّحه شيخه، فإنه قد حكم بنفسه على قول الزمخشري وضعَّفه، فدل على ترجيحه للقول الآخر (^٥).
سادسًا: تضعيف الأقوال في المسألة سوى قول واحد:
تقدَّم بيان هذه الطريقة وأنها أصلٌ مُعتبَرٌ في الترجيح، كما جاءت الإشارة إليها في التعريف الاصطلاحي للترجيح، ومن أمثلتها ما جاء عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، فقد قال ﵀: "وفي ﴿كَانَ﴾
_________________
(١) في نسخة الكتاب: "وفي ﴿ما فاتكم﴾ وجهان" ولعله خطأ في النسخ لتشابه الرسم، أو انتقال ذهن، لأن قوله ﴿ما فاتكم﴾ لم يأت بعد، ولا يستقيم القول إلا بإثبات ﴿فأثابكم﴾، وهو المذكور في الدر المصون (٣/ ٤٤١).
(٢) البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٨٨).
(٣) أي: بإضافة (إذ) إليه.
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٢٩).
(٥) الدر المصون (٣/ ٤٤١).
[ ٤٤ ]
وجهان: أظهرهما أنها غير مزيدة"، ثم استطرد في تفصيل المسألة ومناقشة الأقوال فيها والرد عليها، ثم ختم بخلاصة ما خرج به في بيان المسألة فقال: "فقد تحصَّل في ﴿كَانَ﴾ ثلاثة أوجه: النقصان والتمام -إذا اعتبرنا ما ذكره الشيخ- والزيادة" (^١)، وهذا يدل على ترجيحه للنقصان، فإنه استبعد أنها مزيدة في أول المسألة، ثم استبعد ما ذكره شيخه أبو حيان من أنها تامة أثناء المناقشة، وفي عبارته هنا ما يوحي بذلك، فلم يبقَ إلا وجه النقصان، فهو الراجح عنده.
_________________
(١) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٦٥ – ٣٦٦).
[ ٤٥ ]