يسلك السمين الحلبي طرقًا متعددة في الموازنة بين الأقوال وترجيح بعضها على بعض، بناءً على منهجه في تقوية الأقوال وتضعيفها، وقد ظهرت لي من خلال الاستقراء عدة معايير يَزِن بها الأقوال، ويُرجِّح بها بعض الأقوال على بعض، وهذه المعايير منها ما هو متصلٌ بالآية التي ذُكر فيها الخلاف، كظاهر الآية وسياقها ونظمها والمقصود منها والمخاطبين فيها، ومنها ما هو خارجٌ عنها كالآيات الأخرى التي في معناها والأحاديث النبوية وأسباب النزول والمسائل العقدية وقواعد اللغة العربية وشُهْرَة القول وكثرة من قال به.
ولا شك أن هذه المعايير بعضها أقوى من بعض، فإذا تعارضت هذه المعايير في نظرِه فإنه يُقدِّم ما هو أقوى عنده، كالمسائل العقدية في مذهبه مثلًا، فهو يُقدِّمها على ظاهر الآية، وكذلك سياق الآية، فإنه يُقدِّمه على شُهْرَة القول وكثرة من قال به.
أما أكثر المعايير التي يستخدمها في الموازنة، ويبادر إليها في المناقشة، فهي المعايير المتصلة بالآية، لأنها أول ما يظهر عند تأمل الآية، فكثيرًا ما يُرجِّح بالظاهر من الآية، وكثيرًا ما ينزع من سياق الآية ما يبرهن به على رجحان قوله.
وفيما يأتي التفصيل لجميع المعايير التي ظهرت لي بحسب كثرة استخدام السمين الحلبي لها فيما وقفت عليه في البحث:
أولًا: الترجيح بالظاهر من الآية:
أكثر ترجيحات السمين الحلبي التي وقفت عليها هي من هذا النوع، والترجيحُ بالظاهر أمرٌ شائعٌ بين المفسرين، لكن يحتاج إلى معرفة معنى الظاهر، وذِكْرِ ضابطِ الترجيح به، لأن الترجيح به قد يختلف من مفسِّرٍ إلى آخر، فالظاهر من معنى الآية عند مفسِّرٍ قد لا يكون متفِقًا مع الظاهر من معناها عند مفسِّرٍ آخر (^١)، ومن شواهد هذا أن أبا حيان رجَّح أحد الأقوال بالظاهر، ثم تعقَّبه السمين الحلبي، ورجَّح القولَ الذي خلافه بأنه الظاهر (^٢).
_________________
(١) ينظر في اختيارات ابن القيم وترجيحاته في التفسير للدكتور محمد بن عبد الله القحطاني (١/ ١١٠، ٦٧٦).
(٢) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٣٥ – ٣٣٦).
[ ٤٦ ]
ومعنى الظاهر عند السمين الحلبي أنه المتبادر إلى الفهم (^١)، بحيث لا يحتاج إلى تقديرٍ أو تأويلٍ (^٢)، ومثاله عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، حيث قال: "والظاهر أن الرؤية هنا رؤيةُ البصر، ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾، وعلى هذا فلا حاجة إلى حذف. وقيل: هي بمعنى العلم، فيتعدَّى إلى اثنين، فيحتاج إلى تقدير الثاني" (^٣).
فدل على أنه يقدِّم القول الذي ليس فيه حذفٌ وتقديرٌ ويجعله هو الظاهر، وهذا من حيث العموم، وإلا فإنه قد يترك ما سلم من الحذف ويلجأ إلى التأويل وتقدير محذوف، ثم يجعل ذلك التأويل هو الظاهر (^٤).
وإن كانت أقوال المسألة كلها فيها حذفٌ وتقديرٌ، فإنه يختار ما كان الحذف فيه أقل، ويجعله أظهر من غيره، ومثاله عند قوله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، حيث قال: "وقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ فيها وجهان: أظهرهما أنها مبتدأ … والثاني: أنها خبر مبتدأ مُضمَر … وهذا غير ظاهر، فالأول الوجيه، ولا بد في الأول من حذفٍ، وفي الثاني من حذفين" (^٥).
والظاهر من الآية عنده ليس محصورًا في قولٍ واحد، بل قد يكون في الآية عدة أقوالٍ متقاربةٍ يحكم بأنها الظاهرةُ من الآية، كما في الأقوال التي ذكرها عند قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، قال فيها: "وهذه أقوالٌ متقاربة، وقال الشيخ: «وكلها تخالف الظاهر، …» (^٦) انتهى، وهو حسن إلا قوله أن الأقوال المتقدمة خلافُ
_________________
(١) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٤٣٧ - ٤٣٨)، حيث ختم المسألة بالإشارة إلى القول الأول وقال: "وهو المتبادر إلى الفهم كما قدمناه"، والذي قدَّمه في وصف القول الأول أنه الظاهر من الآية.
(٢) ينظر في منهج السمين الحلبي في التفسير في كتابه الدر المصون للدكتور عيسى بن ناصر الدريبي (ص: ٥٥٧).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٤٩).
(٤) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٣٥ – ٣٣٦).
(٥) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٠٦)
(٦) البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٤٠٣).
[ ٤٧ ]
الظاهر، بل هي ظاهر الآية، وإن كان بعضها أقرب من بعض" (^١)، فتراه هنا خالف شيخه أبا حيان في قَصْرِ ظاهرِ الآية على قولٍ واحد، ولم يخالف القول الذي استظهره في الآية، بل حسَّنه، وأثبت أن جميع الأقوال هي ظاهر الآية أيضًا، لكن بعضها أقرب من بعض.
كما أنه قد يترك الذي يظهر عنده في الآية إذا عارضه ما هو أقوى منه، كما في قوله: "ظاهر الآية في قوله ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْأخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أنه يُقتصَر به عليه، ولا يُعطى من الدنيا شيئًا، غير أن هذا الظاهر متروك، لأن من أولئك من أتاه الله في الدنيا مالًا كثيرًا" (^٢).
ومن هذا نستنبط أن قوله "والظاهر" لا يدل بمفرده على الترجيح إلا إذا كان متعلقًا بالقول نفسه على سبيل الحصر أو بصيغة التفضيل، كما تقدَّم في ألفاظ الترجيح (كأن يقول: وهذا هو القول الظاهر، أو وهذا أظهر الأقوال)، أما إذا جعل الظاهر متعلقًا بالآية أو بالخطاب أو بالسياق (كأن يقول: وظاهر الآية كذا وكذا) فإن هذا لا يقتضي الجزم بالترجيح، وإنما يدل على مجرَّد التقوية، وقد يأتي قولٌ آخر أقوى منه فيرجِّحُه عليه، كما في المثال السابق.
ثانيًا: الترجيح بسياق الآية:
قال العز بن عبد السلام: "السياق مُرشِدٌ إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات" (^٣)، فالسياق له أهميته في ترجيح الأقوال المحتملة، ولذلك أخذ به السمين الحلبي في ترجيح الأقوال المُختلَف فيها، ومثاله في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، في قراءة المبني للمفعول: ﴿قُتِل﴾ (^٤) قال ﵀: "واختلف المفسرون في معنى هذه الآية: هل معناها أن الأنبياء قُتلوا، أم أنهم لم يقتلوا، بل قُتل الربيون الذين كانوا معهم؟
والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين" (^٥).
_________________
(١) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٧١ – ٤٧٣).
(٢) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٦٩).
(٣) الإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: ١٥٩).
(٤) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، ينظر في النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/ ٢٤٢).
(٥) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٧٣ - ٣٧٤).
[ ٤٨ ]
ويختم بعض المسائل بالترجيح بالسياق كقوله: "إلا أن السياق والقرائن يدل على المعنى الذي ذكره المفسرون" (^١).
ويَستدِلُّ للمعنى الذي يرجِّحه بسياق الآية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، قال ﵀: "واختلف الناس في هذا التولي؛ هل يوصف بكونه معصيةً أم لا؟
فالظاهر أنه معصية عفا الله عنها لأصحابها … ويدل على ذلك كونه سماه استزلالًا من الشيطان، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، والعفو إنما يكون -أو يوشك أن يكون- عن ذنب" (^٢).
ومن الترجيح بالسياق رعاية المناسبات بين الآيات، ومثاله أنه ذكر المناسبة لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وأن هذه الآية تكملة للسياق في الحديث عن اليهود ومخازيهم، ثم قال: "واختلف الناس في المراد بهذه الآية، والظاهر أنهم اليهود الذين كتموا صفة رسول الله ﷺ، وعليه تنطبق المناسبة المذكورة" (^٣).
ثالثًا: الترجيح بالنظر إلى انتظام الألفاظ في الآية:
يراعي السمين الحلبي انتظام الألفاظ والجُمل في الآية، ويحرص أن تكون المعاني متناسبة مع نظم القرآن الجليل الشريف، فتراه يستبعد المعاني التي تُخِلُّ بتسلسل الآية ولا تجعل للَّفظ بلاغةً في المكان الذي هو فيه، ويظهر هذا حين يكون النظم محتاجًا إلى تقدير المعنى، فإنه في هذه الحالة لا ينظر إلى المعنى المقدَّر فقط، بل ينظر كذلك إلى مواقع الألفاظ وتسلسل الجُمَل وترابطها، ومن ذلك قوله في أحد التقديرات التي فيها الربط بين الألفاظ البعيدة عن
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٥٧).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٥٨).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٥١).
[ ٤٩ ]
بعضها: "وهذا وإن كان جائزًا في المعنى إلا أن فيه بُعدًا لطول الفصل بين العامل والمعمول" (^١)، فلما كان المعنى المقدَّر ضعيفًا في الربط بين الألفاظ مُخِلًّا بتسلسل الجُمل استبعده، وأشدُّ من ذلك إذا كان المعنى المقدر لا يجعل لألفاظ القرآن الكريم أهميةً ولا مكانةً، فتراه يقول: "وهذا كما رأيت ضعيف جدًّا، لأنه يؤدي إلى الاستغناء عن غالب كلمات الآية الكريمة، وليس ذلك مرادًا، والله أعلم" (^٢).
رابعًا: الترجيح بالنظر إلى مقصود الآية:
رعاية مقصود الآية من الأمور التي ينبغي التفطن لها أثناء موازنة الأقوال والمقارنة بينها، فقد يذكر بعضهم قولًا في الآية يكون معناه صحيحًا في نفسه رائقًا في لفظه، لكن عند التمحيص تجده بعيدًا عن مقصود الآية وما سيقت إليه، ومن أمثلة رعاية السمين الحلبي لمقصود الآية ما رجَّحه بقوله: "والأولى حملُ ذلك على التمثيل، لأن المقصود العموم" (^٣).
خامسًا: الترجيح بالنظر إلى المخاطبين في الآية:
بعد النظر في المقصود من الآية يجدر النظر إلى من قُصدت به الآية أصالةً، وهم المخاطبون بها، ثم عند موازنة الأقوال يُنظر في مناسبة القول للمخاطبين بالآية، لذلك يستبعد السمين الحلبي الأقوال التي لا تناسب المخاطبين بالآية، ويقرِّب الأقوال التي تناسبهم ويعتمدها، وقد تقدَّم مثال هذا في قول السمين الحلبي: (والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين)، فرجَّح ما هو أليق بحال المخاطبين، وكذلك يضعِّف الأقوال التي لا تتناسب مع حال المخاطبين، كما قال عن أحد الأقوال: "وفيه نظر، لأنه لا يليق أن يُخاطب المؤمنون بذلك إلا أن يكون تغليظًا" (^٤).
_________________
(١) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٣٠).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣١٠).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٥٥).
[ ٥٠ ]
سادسًا: الترجيح بالنظر إلى آية أخرى مشابهة:
والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فالقرآن يشبه بعضه بعضًا ويُصَدِّق بعضه بعضًا، فإذا اختلفت الأقوال في آية نُظِر إلى الآية المشابهة لها، فإنها ترشد إلى القول الصحيح، ومن أمثلة ذلك عند السمين الحلبي ما ذكره في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، فرجَّح أن المراد بها العموم في كل من يسارع في الكفر من غير تحديد طائفةٍ معيَّنة، وشبَّهها بالآية الأخرى في عمومها: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] (^١).
سابعًا: الترجيح بالسنة النبوية:
لأن السنة تفسِّر القرآن وتبيِّنه وتوَضِّحه، فالأحاديث خيرُ دليلٍ يُستدَل به، وأقوى مُرجِّحٍ يُؤخَذ به، ومن أمثلة ذلك عند السمين الحلبي ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، حيث قال ﵀: "وظاهر القرآن أنه يجيء به بعينه، ويدل له ما في الحديث: (جاء يوم القيامة يحمله على عنقه) (^٢)، وروي: (ألا لا أعْرِفن أحدكم يوم القيامة يأتي ببعيرٍ له رغاءٌ، وببقرةٍ لها خوارٌ، وبشاةٍ لها ثغاء، فينادي: يا محمد، يا محمد؛ لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلَّغتُك) (^٣)، وروى البخاري ومسلم: (لا ألفِيَن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، فيقول: يا رسول الله؛ أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك) (^٤)، وفي بعض الأحاديث: (وبفرسٍ له حَمْحَمَة) (^٥)، وقد غلَّ غلامٌ اسمه مِدعَم يومَ خيبر شَملَةً من المغنم، فقال ﵇: (والذي نفسي بيده؛ إنها لتشتعل
_________________
(١) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٢) رواه البخاري (٨/ ١٣٠/ ٦٦٣٦) ومسلم (٣/ ١٤٦٣/ ١٨٣٢) في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي
(٣) رواه البخاري (٩/ ٢٨/ ٦٩٧٩) في صحيحه بنحوه من حديث أبي حميد الساعدي.
(٤) رواه البخاري (٤/ ٧٤/ ٣٠٧٣) ومسلم (٣/ ١٤٦٣/ ١٨٣٢) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة.
(٥) في الحديث السابق، ومعنى الحَمْحَمَة: صوت الفرس دون الصهيل؛ ينظر في النهاية لابن الأثير (١/ ٤٣٦).
[ ٥١ ]
عليه نارًا) (^١) "، فلم يكتفِ بحديثٍ واحد، وإنما ذكر عدة أحاديث برواياتها، ثم تعرَّض للأقوال الأخرى وسَرَدها بإيجازٍ من غير أن يقوي شيئًا منها (^٢)، فالسنة إذا تبيَّنت لزِم التمسُّك بها.
ثامنًا: الترجيح بأسباب النزول وما يحتف بها:
يَستدِل السمين الحلبي بسبب نزول الآية على القول الذي يرجِّحه، فإن أسباب النزول أصلٌ من أصول التفسير، ومن أمثلة ذلك قوله ﵀: "وما قدَّمناه هو الظاهر، ويدل عليه ما ذكرنا من سبب النزول" (^٣).
وإذا ثبت سبب النزول فإنه ينظر إلى واقعه وما يحتفُّ به من الأحداث فيرجِّح من خلال ذلك، ومثاله عند قوله تعالى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، قال: "واختلف الناس أيضًا فيمن خُوطِب بهذا الكلام، والظاهر أنهم المؤمنون الخُلَّص، وعليه ينطبق ما قدَّمناه من أقوال المفسرين.
وذهب الماتريدي إلى أن الخطاب للمنافقين، وكان الإمام فخر الدين تبعه في ذلك … وفيه نظر لأن المنافقين يوم أُحد انخزلوا مع كبيرهم رأس النفاق عبد الله بن أُبي، ولم يصبهم انهزام ولا قتل" (^٤)، فلما كانت الآيات نازلة في غزوة أُحد نَظَر في واقع تلك الغزوة وما حدث فيها فاستدل به على القول الذي يرجحه.
تاسعًا: الترجيح بالنظر إلى المسائل الاعتقادية:
تقدَّم الكلام عن موطن الترجيح، وأن ردَّ الأقوال لا يُقصد به الترجيح دائمًا، بل في بعض مسائل الاعتقاد يكون ذلك لأجل تقرير المذهب الاعتقادي بحيث لا يُتصوَّر الترجيح والموازنة بين الأقوال، لأن القول المعتمد قد تقرَّر من قبل، فلا يُنظر إلى ما خالفه إلا على سبيل الرد والإفحام، ولتوضيح هذا الأمر هنا فإن المراد بتلك المسائل الاعتقادية الأصولُ المتفق عليها
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ١٣٨/ ٤٢٣٤) ومسلم (١/ ١٠٨/ ١١٥) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة.
(٢) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (١٧٦ - ١٧٧).
[ ٥٢ ]
في المذهب بحيث يُضلَّل فيها المخالف، أما المسائل الفرعية المختلف فيها في المذهب نفسه، أو التي قال بها أحدُ أئمةِ المذهب فليست من ذلك، فالترجيح فيها واردٌ، لأن الأقوال حينئذٍ تكون متكافئةً في القوة بالنظر إلى الخلاف في المسألة أو بالنظر إلى مكانة مَنْ قال بها، ومثال ذلك الترجيحِ هنا ما ذكره السمين الحلبي عند قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، حيث قال: "وجُوِّز في (عَلِم) أن تكون متعديةً لواحد، فقال الشيخ: «و(عَلِم) ظاهرهُ التعَدي إلى واحد، فتكون بمعنى (عَرَف)» (^١) انتهى. وهذا ينبغي ألَّا يجوز، لأنه العرفان لا يجوز إسناده إلى الله تعالى … والظاهر أنها المتعدية لاثنين؛ حُذف ثانيهما للعلم به" (^٢).
فهنا يظهر أن الخلاف بين التلميذ وشيخه أبي حيان، وأبو حيان أحدُ أئمةِ المذهب الأشعري الذي عليه المصنف، فصار الترجيح هنا بالنظر إلى المسائل الاعتقادية.
عاشرًا: الترجيح بقواعد الإعراب:
يهتم السمين الحلبي بالقواعد النحوية التي تضبط الإعراب، والأصولِ التي جرى عليها العربُ في طريقة كلامهم، ويستخدم تلك القواعد والأصول في تقويم الأقوال الواردة في إعراب الآية، فيُورِد الإشكالات على الأقوال المخالفة ويردُّها: "إن أعربوا ﴿نُّعَاسا﴾ [آل عمران: ١٥٤] بدلًا أو عطف بيان أشكل قولهم من وجهين:
أحدهما: أن النحاة نصوا على …
والثاني: أن المعروف في لغة العرب …
وإن أعربوا ﴿نُّعَاسا﴾ مفعولًا لأجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف …
فالأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية" (^٣)، ويظهر هنا أنه يستبعد الأقوال التي فيها إشكال، ثم يأخذ بالقول الذي لا إشكال فيه، ومثاله أيضًا قوله: "وهذا الوجه أحسن للتخلص من تكلفة الإشكال في الوجه قبله" (^٤).
_________________
(١) البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٥٤).
(٢) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٣٥ – ٣٣٦).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٣٥ – ٤٣٧)
(٤) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٧١).
[ ٥٣ ]
الحادي عشر: الترجيح بالنظر إلى شهرة القول وكثرة من قال به:
وإنما جعلته أخيرًا، لأنه لم يكن المعتمد عنده في كل الأحوال، بل كانت الحجج والبراهين هي المُقدَّمة عنده، والذي يظهر أنه يلجأ إلى الترجيح بالكثرة حين لا تكون الحجج والبراهين ظاهرة، ومثاله قوله في كلمة (كأيِّن)؛ قال: "واختلف الناس فيها؛ هل هي مركبة أم بسيطة، والمشهور أنها مركبة من كاف التشبيه ومن (أيّ) … " فذكر القول المشهور كأنه يقتصر عليه، ثم أطنب في تفصيله وذِكْرِ الأقوال فيه، ولم يعُد إلى القول الآخر إلا بعد عدة صفحات ليبيِّن ضعفه وعيبه فقال: "واختار بعضهم كونها بسيطة، ولا شك أنه أروَح، إلا أن فيه فواتًا لتشحيذ الذهن وتمرينه الذي قصده العلماء ﵏" (^١).
وفي مسألةٍ أخرى أشار إلى قوة القول الذي يرجحه عند إيراده بأنه قول أكثر النحويين والمفسرين (^٢).
وربما خالف القولَ المشهور ورجَّح غيره إذا ظهرت له قرينةٌ أقوى، وذلك عند قوله: ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، قال ﵀: "واختلف الناس في مُتعلَّق النصر والخذلان؛ ما هو؟
فأكثر المفسرين على أن ذلك النصر بالحجج القاهرة، وبالعاقبة في الآخرة …
وذهب آخرون إلى أن ذلك فيما يتعلق بلقاء العدو، وعند المكافحة في ملاحم القتال ونِزال الأبطال، وهو الظاهر من السياق والسباق" (^٣).
فيظهر هنا أنه يُقدِّم ما دل عليه السياق على شهرة القول وكثرة مَنْ قال به.
_________________
(١) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٧٤ – ٣٨٠).
(٢) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٢٤ - ١٢٧).
(٣) القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ١٣١).
[ ٥٤ ]