جاء تحقيق هذا الكتاب في إحدى وعشرين رسالة علمية في الجامعة الإسلامية؛ ست منها في الماجستير، والبقية في الدكتوراه، يضاف إليها بحث محَكَّم في تحقيق جزء منه في مجلة تبيان للدراسات القرآنية (^١)، هذا غير الأجزاء المفقودة والتي لم تُحقَّق بعد، وقد اعتمد البحث هنا في هذه الرسالة على هذا التحقيق.
وبالرجوع إلى ما ذكره السمين الحلبي في مقدمة كتاب القول الوجيز (^٢)؛ يمكن أن نستنبط مما قاله أهم النقاط في التعريف بالكتاب، وهي النقاط الآتية:
١) اسم الكتاب كاملًا: قال ﵀: (وسميتُه: القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز).
٢) نسبة الكتاب إلى السمين الحلبي: حيث أشار ﵀ في المقدمة إلى بعض كتبه الأخرى، كالدر المصون وكتابه في التفسير، وسيأتي نصُّه في ذلك في الفقرات الآتية.
٣) سبب تأليف الكتاب: حيث ذكر ﵀ أبرز الكتب في أحكام القرآن، ثم قال: (والذي حملني على هذا التصنيف مع ما رأيته من الكتب المذكورة آنفًا أني لم أرَ أحدًا من أصحاب الشافعي سلك هذا المسلك إلا إلكيا الطبري، إلا أنه كما نبهتك عليه لم يستوفِ مسائله، وأغفل كثيرًا من الأحكام المهمة، تعرَّض لها غيره، ورأيت غيرَه من المالكية والحنفية قد أوسع عبارته، وردَّ عليه بعضَ دلائله).
٤) الأصل الذي بُني عليه الكتاب: قال ﵀: (ووضعتُ هذا الكتاب ناقلًا فيه مذاهب العلماء الأُوَل … وناقلًا مذهب الشافعي في المسألة؛ صحيحةٍ وغير صحيحة، مُحررًا لذلك من الأمهات، وأذكرُ أيضًا الناسخ والمنسوخ … وكذلك أذكر العام والخاص والمطلق والمقيَّد، والمُجمَل والمُبين، والظاهر والمؤول … وأذكر حدود هذه الأشياء في مقدِّمةٍ تعرِّفه. كل هذا التصنيف ليكفي الناظر فيه، ولا يحوجه إلى غيره، وأذكر أيضًا حدَّ الحُكْم عند أهل السنة وأقسامه، ومادة لفظ (القرآن)، فإن الكتاب مُترجمٌ بذلك. وأما ما يتعلَّق بلُغاته واشتقاقه وتصريفه وإعرابه ومعانيه وبيانه وبديعه مما تعلَّق بعلم نظم القرآن فإني لم أتعرَّض لشيءٍ من ذلك في هذا الكتاب استغناءً بكتابٍ وضعته في هذه
_________________
(١) ينظر ما سبق من تفصيل هذه الرسائل في الدراسات السابقة (ص: ٩ - ١٢) من هذا البحث.
(٢) ينظر في مقدمة المؤلف للكتاب في الجزء الذي حققه عبد الرحيم محمد القاوش (ص: ٩٤ - ١٠١).
[ ١٩ ]
العلوم، سميته بالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، وأما ما يتعلَّق بتفسيره مِنْ ذِكْر قصصٍ وأخبارٍ فاستغنيت عن ذِكْره هنا بكتابٍ شرعت فيه مستوفيًا لفوائدَ جليلةٍ أرجو من الله الكريم إتمامه، وأذكر في هذا الكتاب في أول كل سورة كونها مكية أو مدنية، وعدد آياتها، وما ورد في فضلها من حديثٍ صحيحٍ أو ما يقاربه).
٥) ترتيب تأليف كتاب القول الوجيز بين كتب السمين الحلبي الأخرى: مما ذكره السمين الحلبي أخيرًا يتبيَّن أنه ألَّف هذا الكتاب أثناء شروعه في تأليف كتابه الكبير في التفسير، والظاهر مما ذكره أيضًا أنه ألَّفه بعد الفراغ من كتاب الدر المصون، ويُحتمل أنه ألَّف هذه الكتب جميعًا في وقت واحد، كما تقدَّم عند التعريف بكتابه في التفسير (^١).
وقد سار السمين الحلبي في بداية كتابه على الأصل الذي ذكره في المقدِّمة، وبدأ بسورة الفاتحة وجعل الحديث عنها في ستة فصول، ثم سورة البقرة، واقتصر فيها على آيات الأحكام، يجعل أحكام الآية في عدة مسائل، يتكلم عن كل مسألةٍ على حدة، لكن عند سورة آل عمران تغيَّر منهج المؤلف في الأجزاء التي حُققت في الجامعة الإسلامية، وصار المنهج فيها هو منهج التفسير للآيات كلها، حسب ما أفاده أحد المحققين (^٢)، ويمكن تلخيص منهج التفسير هذا في النقاط الآتية (^٣):
١) يبدأ السمين الحلبي تفسيرَ الآية ببيان وجه مناسبتها لما قبلها.
٢) يذكر المعنى الإجمالي للآية أو أهمَّ المسائل في تفسيرها.
٣) يذكر أسبابَ النزول للآية والأحداثَ المرتبطة بالآية من السيرة النبوية.
٤) يذكر التفسير بالمأثور.
٥) يذكر القراءات المتواترة والشاذة في الآية وتوجيهها.
٦) يتناول المباحث النحوية بكثيرٍ من الإسهاب كما فعل في الدر المصون، بل إن كثيرًا من تلك المباحث يشبه ما في الدر المصون ويزيد عليه.
٧) يشرح الغريب ويذكر أبرز المسائل الصرفية والبلاغية في الآية.
_________________
(١) ينظر تحقيق الدر المصون، د. أحمد الخراط (١/ ١٧)، وتحقيق القول الوجيز، د. وائل جابر، (ص: ٤٦).
(٢) ينظر في تحقيق يعقوب مصطفى سي للقول الوجيز (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، (ص: ٦٧ - ٦٨).
(٣) ينظر في تحقيق يعقوب مصطفى سي للقول الوجيز (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، (ص: ٦٩ - ٧٤)، وتحقيق وائل بن محمد بن علي جابر للقول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ) (ص: ٨٠ - ٨٩).
[ ٢٠ ]
٨) يذكر المسائل في الاعتقاد ويرد على المخالفين لمذهبه الأشعري.
٩) يذكر أبرز المسائل الفقهية ومذهب الشافعية فيها.
وهنا يَرِد التساؤل عن سبب التغيُّر في الكتاب عند سورة آل عمران عمَّا سبق في سورة الفاتحة والبقرة، فيُحتمل أن المؤلف غيَّر منهجه في الكتاب وجعله شاملًا للتفسير والأحكام، لكن يُشكِل على هذا الاحتمال ما ذكره في المقدمة (^١) من وجهين:
• الأول: أنه لم يستحسن المؤلفات التي خلطت علم أحكام القرآن بالعلوم الأخرى من علوم القرآن، فذكر أن علم أحكام القرآن هو آكد علوم القرآن ثم قال: (وقد وضع الناس في ذلك تصانيف، وألَّفوا فيه تآليف، إلا أنها مختلطة بغيره من علومه، كذكر القصص والأخبار، والإعراب والتصريف واللغات، وعلم المعاني والبيان، فيعسُر على الناظر تطلُّبها وإخراجها من مظانها).
• الثاني: أنه ذكر في المقدمة أنه لم يتعرَّض لشيءٍ من المباحث في لغة القرآن استغناءً بالدر المصون، وأنه استغنى بكتابه الذي في التفسير عن ذكر تفسير الآيات وما فيها من القصص والأخبار، ويُحتمَل أنه ذكر هذا بعد الفراغ من الكتاب، كما هو الظاهر من قوله: (فإني لم أتعرَّض لشيءٍ من ذلك في هذا الكتاب)، ويُحتمل أنه وعدٌ منه أثناء تأليفه للكتاب.
وقد أوصى أحد محققي الكتاب بالنظر في أسباب التحوُّل الكبير من المنهج الذي سار عليه السمين الحلبي في أول الكتاب إلى هذا المنهج في التفسير، وهل هذا تحوُّل طبيعي أم أنه لأجل أسبابٍ أخرى (^٢).
وقد ظهر لي أثناء بحثي في سورة آل عمران أن مادة الكتاب فيها تغيَّرت عن مادة الكتاب في سورة الفاتحة والبقرة، فيُحتمَل أن يكون السمين الحلبي قد قصد تضمين كتاب القول الوجيز مادةً أخرى من كتابٍ آخر له، لأجل أن يتمم بها الكتاب ويكَمِّله، ويُحتمَل أن تكون النسخة الوحيدة التي اعتُمد عليها في التحقيق عند سورة آل عمران قد حصل فيها الخلط بكتابٍ آخر للسمين الحلبي، ككتابه في التفسير.
_________________
(١) ينظر في مقدمة المؤلف للكتاب في الجزء الذي حققه عبد الرحيم محمد القاوش (ص: ٩٤ - ١٠١).
(٢) ينظر في النتائج والتوصيات في تحقيق عبد الله بن صالح العمر لكتاب القول الوجيز (ص: ٦١٧ - ٦١٨).
[ ٢١ ]
والذي يدل على تغيُّر مادة الكتاب ثلاثةُ أمور:
١) أنه يحيل في تفصيل المسائل إلى أول الكتاب، يشير فيه في الغالب إلى موضعٍ يحدده من سورة البقرة، يذكر أنه قد تقدَّم الكلام عن المسألة هناك، ثم ترجع إلى ذلك الموضع فلا تجده يتطرَّق أبدًا إلى المسألة التي أحال إليها، ويبعد أن يجري مثل هذا الذهول على السمين الحلبي، إلا أن الأمر قد تكرر في مواضع كثيرةٍ من الكتاب، وقفت منها على أربعة عشر موضعًا، يذكر فيها المحققون أنهم لم يقفوا على ما أحال إليه (^١).
٢) أنه في سورة النساء قد أشار إلى بعض أحكام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ثم قال: "وقد طوَّل الرازي كلامه في هذه الآية واستنبط منها أحكامًا أخرى استغنينا عن ذكرها بكتابنا الموضوع في الأحكام" (^٢)، ولا يُعرف للسمين الحلبي كتابٌ في الأحكام غير كتاب القول الوجيز، فكيف يحيل في كتابه القول الوجيز إلى كتابٍ له في الأحكام؟
٣) أنه عند قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أشار إلى الحكمة من إنزال القرآن منجمًا ثم قال: "وكان جبريل كل سنة يعارضه القرآن ويدارسه إياه في شهر رمضان، وفي السنة التي توفي فيها ﵇ عارضه فيه مرتين، وفَهِم ﷺ من ذلك قُرْب أجله، وأخبر به أصحابه، وقد بيَّنت ذلك في أول هذا الكتاب في باب يخصُّه، ولله الحمد" (^٣)، وقد أوضح السمين الحلبي في مقدمة القول الوجيز أن المقدمة تشتمل على ثمانية فصول، وذكرها كلها ولم يذكر فيها أيَّ شيءٍ يتعلق بنزول القرآن أو معارضته (^٤).
_________________
(١) ينظر مثلًا في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٩٣، ١٠٨، ١٣٨، ١٥٣، ١٥٥، ١٦١، ١٦٢، ١٦٤، ٣٤٤)، والقول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٠٢، ٢٢٨، ٣٥٤، ٣٨٤، ٤٢١)، هذا في آل عمران ويوجد في السُّوَر الأخرى ما يطول تتبعه.
(٢) القول الوجيز، (سورة النساء: ٨٠ - سورة المائدة: ٤١)، تحقيق: عبد الهادي بن علي القرني (ص: ٩٤).
(٣) القول الوجيز، (سورة النور: ٢١ - سورة الشعراء: ٢٢)، تحقيق: ماجد بن ماشع الحربي (ص: ٢٢٨).
(٤) ينظر في مقدمة المؤلف للكتاب في الجزء الذي حققه عبد الرحيم محمد القاوش (ص: ١٠٢ - ١٢٠).
[ ٢٢ ]
وقد ذكر المحققون للكتاب في سورة آل عمران المصادرَ التي يرجع إليها السمين الحلبي، وأبرزها ثلاثة مصادر، هي البحر المحيط في التفسير لشيخه أبي حيان، والمحرر الوجيز لابن عيطة، والكشاف للزمخشري (^١).
ويذكر أقوال شيخه أبي حيان في أكثر المسائل ويتعقبها بالشرح والبيان، وبالتأييد أو الاستدراك، وينقل ردود أبي حيان على الزمخشري، ثم يوافقه في رده أو يخالفه، ويمكن أن يقال بأنه من أفضل المصادر التي تعقبت تفسير البحر المحيط لأبي حيان بالكامل، لأنه يكاد يترك ما قرَّره شيخه في جميع الأبواب إلا ويذكره ثم يتعقبه بعد ذلك.
وقد تميَّز الكتاب بعدة أمور:
١) المنهج الشامل الذي انتهجه المؤلف، من التطرُّق إلى المسائل اللغوية والإعرابية والبلاغية في تفسير الآية، فشمل الكثير من علوم القرآن (^٢).
٢) التنوُّع في عرض المسائل، كالمخاطبين بالآية وأسباب النزول والمعنيين بالآية، والكلام عن عموم ألفاظ الآية وخصوصها، حتى إنه يتعرَّض لمسائل في التجويد وطريقة النطق بالآية، ومسائل في رسم المصحف.
٣) أن هذا الكتاب من أوسع الكتب التي حُققت للسمين الحلبي، وفيه من التفصيل ما لم يذكره في بابه من الكتب الأخرى، في الدر المصون ولا العقد النضيد، فذكر مسائلَ في الإعراب واللغة لم يذكرها في الدر المصون (^٣)، ومسائلَ أخرى ذكر ترجيحها هنا ولم يرجِّح فيها شيئًا في الدر المصون (^٤)، ومسألةً اختلف فيها ترجيحه هنا عما في الدر المصون (^٥).
٤) الدقة والترتيب في عرض المسائل في تفسير الآية، فيبدأ في الغالب بالكلام عن مناسبة الآيات لما قبلها، ثم التعليق على ما ذُكر في سبب نزولها، ثم يبين معاني
_________________
(١) ينظر في تحقيق يعقوب مصطفى سي للقول الوجيز (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، (ص: ٥٧).
(٢) ينظر في تحقيق يعقوب مصطفى سي للقول الوجيز (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، (ص: ٧٧).
(٣) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٣٧٥).
(٤) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٨٩، ٤٤٢)، والقول الوجيز، (آل عمران: ١٥٧ إلخ)، تحقيق: وائل بن محمد بن علي جابر (ص: ٢٧٩، ٤٤٠).
(٥) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ - ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٤٥٧)، والدر المصون (٣/ ٤٥١).
[ ٢٣ ]
كلماتها إفرادًا وتركيبًا، ويذكر التفصيل في وجوه إعرابها، مع الكلام عما يُشكل في صرفها، والإشارة إلى الخلاف في نطق ألفاظها عند القراء، وبيان كيفية ذلك ووجهه في اللغة.
وأما عن أثر هذا الكتاب على من أتى بعد السمين الحلبي، فلم أقف فيما بحثت فيه من المسائل أن أحدًا من العلماء قد نقل ما قاله هنا أو تعقَّبه، ولم يذكر المحققون ذلك، وإنما يتعقَّب أهل العلم ما ذكره في الدر المصون نظرًا لشهرته، والله الموفق.
[ ٢٤ ]