قليلٌ من أهل العلم من أشار تعدي الفعل في قوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وهؤلاء القليل ذكروا أن تعدي الفعل إلى مفعول واحد قولٌ محتمل، ولم يمنعوه كما منعه السمين الحلبي، ولم أقف على من رجَّح تعدي العلم إلى مفعولين لأجل العلة التي ذكرها السمين الحلبي؛ لا في هذه الآية ولا في نحوها من الآيات التي يكون فيها فعل (عَلِم) متعلقًا بالله جل وعلا (^٢).
ويظهر أن القول الذي ذكره السمين الحلبي لا يختص بهذه الآية فقط، بل يأخذ به في كل آية ذُكر فيها فعل العلم مسندًا إلى الله ﷿، ولذلك أحال تفصيل المسألة إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وقال في الدر المصون عن قوله ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: "يجب أن يقال إنها المتعدية إلى اثنين، وأن ثانيهما محذوف" (^٣).
_________________
(١) ينظر في الدر المصون (٥/ ٦٣٠).
(٢) ينظر في التفسير البسيط للواحدي (٦/ ١٢ - ١٣) وتفسير الراغب (٣/ ٨٧٨)، وتفسير الرازي (٩/ ٣٧٣).
(٣) الدر المصون (٥/ ٦٣٠).
[ ٦٥ ]
وقد أطلق كثيرٌ من أهل العلم عند قوله تعالى ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أن المراد بالعلم في الآية المعرفة، وأنه متعدٍ إلى مفعولٍ واحد فقط، ولم يخصصوا كما خصص السمين الحلبي بأن قوله ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ متعدٍ إلى اثنين، وأن قوله ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ متعدٍ إلى واحد (^١).
وقد ردَّ عليه صديق حسن خان في تخصيصه هذا فقال بعد أن نقل كلامه: "وهذا لا يَرِد، لأنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف عليه، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان" (^٢).
وقال الآلوسي عند هذه الآية: "وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضر …
وجُوِّز أن يكون العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف؛ أي: لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم، بل الله تعالى يعلمهم كذلك، وهو تكلف" (^٣).
وفي قوله تعالى ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] قال: "وإسناد العلم بمعنى المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن يُتوقَف فيه، وإن وَهِم فيه مَنْ وهم، لا سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة، وقد فَسَّر العلم هنا بالمعرفة ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عنه أبو الشيخ (^٤).
نعم؛ لا يمتنع حمله على معناه المتبادر، كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم، لكنه مُحوِجٍ إلى التقدير، وعدم التقدير أولى من التقدير" (^٥).