ذكر المفسرون أصل كلمة (استكان) عند قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾، وعند قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، وأما علماء اللغة فتعرضوا لذلك في المعاجم وفي كتب التصريف.
وكثيرٌ من المفسرين أرجعوا أصل الكلمة إلى السكون (^٢)، ولعل ذلك لأجل رعاية المعنى، وكثير من علماء اللغة منع من ذلك وجعل وزن الكلمة (استفعل) وليس (افتعل)، وذلك مراعاةً لأصول الاشتقاق وقواعد علم الصرف، ثم منهم من رجَّح أن أصل الكلمة (استكون) من (الكون) (^٣)، ومنهم من رجَّح أن أصلها (استكين) من (الكين) (^٤)، وليس الخلاف بينهم قويًّا في الترجيح بين هذين القولين، وإنما خلافهم مع من قال: إن أصل
_________________
(١) وفي الدر المصون (٣/ ٤٣٢) فصَّل الاعتراض وفصَّل في الرد عليه.
(٢) ينظر ما يأتي في تفسير الثعلبي وما بعده، وتفسير ابن فورك لسورة المؤمنون (ص: ٨٩)، وتفسير السمعاني (٣/ ٤٨٥) والبغوي (٣/ ٣٧١)، والسراج المنير للشربيني (٢/ ٥٨٧)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (١٨/ ١٠١).
(٣) ينظر في المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ١٥٢)، وكشف المشكلات لجامع العلوم الباقولي (٢/ ٩٣٢)، والبيان لأبي البركات (٢/ ١٨٧)، والتبيان لأبي البقاء العكبري (١/ ٣٠٠)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٧٣)، وروضة المحبين لابن القيم (ص: ٤١)، وحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ص: ٧١٢).
(٤) اقتصر ابن عباد على ذكر الاستكانة في مادة (كين) في المحيط في اللغة (٦/ ٣٣٤)، وهو ظاهر ما ذهب إليه ابن جني في الخصائص (٣/ ٣٢٧)، والسهيلي في الروض الأنف (١/ ١٢٩)، وقد اختاره الزبيدي في تاج العروس (٣٦/ ٧٨)، والصافي في الجدول (٤/ ٣٢٩)، والدكتور محمد حسن في المعجم الاشتقاقي (٤/ ٢٣٥٦).
[ ٩٧ ]
الكلمة يرجع إلى السكون، مع أن ابن الحاجب ذكر أنه قول الأكثر من أهل العلم (^١).
وقد ذكر السمين الحلبي أن إرجاع الكلمة إلى السكون هو قول الفراء ولم أقف عليه في معاني القرآن له، لكن قد حكاه عنه بعض أهل العلم من بعده (^٢).
وكذلك ما ذكره عن الأزهري وأبي علي الفارسي أنهما يجعلان أصل الكلمة من (الكِينة) ففيه تنبيه:
أما الأزهري فقد ذكر عند الكلام عن مادة (سكن) أن أصل الكلمة من السكون، ثم في موضع آخر أشار إلى الخلاف ورجَّح أن أصل الكلمة هو من (استكيَن)، ولعل هذا هو الراجح عنده لأنه أشار فيه إلى الخلاف (^٣).
وأما الفارسي فقد ذكر في موضعٍ أن أصل الكلمة من (الكون)، وفي موضع آخر جعلها على وزن (استفعل) ولم يفصِّل (^٤)، لكن ذكر عنه أهل العلم من بعده أنه جعله من (الكين)، ونسبوا هذا القول إليه وكأنه أول من قال به (^٥)، والله أعلم.