أما ما ذكره أبو حيان من أن القول بتعدي الفعل إلى مفعول واحد هو الظاهر فهذا ظاهرٌ في الآية، لأن المفعول الثاني لم يُذكر وإثباته يحتاج إلى تقدير، لكن يُنظر فيما اعترض به السمين الحلبي على هذا القول من أنه لا يليق بالله جل وعلا، وينظر أيضًا فيما أشار إليه من أن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين.
ويظهر أن الأمر الذي جعل السمين الحلبي يلتزم ترجيح قوله ويمنع من القول الآخر هو ما ذكره أهل اللغة من أن العلم يكون بمعنى المعرفة إذا تعدَّى إلى مفعول واحد، فجعل معنى العلم في هذه الحالة مطابقًا تمامًا لمعنى المعرفة، ولا يظهر أن هذا هو مقصود أهل اللغة، بل الذي يظهر أنهم أرادوا التشبيه والتقريب، فإن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين، فلما تعدى إلى مفعول واحد صار مشابهًا لفعل (عرف) وأخذ شيئًا من معناه، فلذلك ذكروا أنه بمعنى (عرف) لأجل أن يتبين الإعراب فيه ويُعلَم أنه على خلاف الأصل، فيتعدى إلى مفعول واحد كما يتعدى فعل (عرف) إلى مفعول واحد.
وبعيد أن يكون مرادهم أن معنى العلم في تلك الحال يكون مرادفًا لمعنى المعرفة، "فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادرٌ وإما معدوم، وقَلَّ أن يُعبَّر عن لفظٍ
_________________
(١) عمدة الحفاظ (مادة: عرف): (٣/ ٦٠).
[ ٦٨ ]
واحدٍ بلفظٍ واحدٍ يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه" (^١)، فيبعد أن يكون معنى (عَلِم) التي تتعدى إلى مفعول واحد مطابقًا لمعنى (عرف) في اللغة، وأبعد منه أن يكون ذلك في القرآن.
ولأجل هذا ردَّ صديق حسن خان على السمين الحلبي، وبيَّن أنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف على الله تعالى، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان، كما تقدَّم.
وأيضًا فقد ذكر السيوطي وغيره هذا المعنى عندما تطرَّق إلى ما يُذكر عند الإعراب من أن العلم قد يكون بمعنى المعرفة، فذكر أن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة لشيوعها فيما يكون مسبوقًا بالجهل، ثم قال: "وليس العلم الذي بمعنى المعرفة كذلك، إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين" (^٢).
بقي أن يُشار إلى القدر المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يُكتفى فيهما بمفعولٍ واحد، وهل هذا القدر المشترك يتضمن معنًى لا يليق بالله ﷿. فيقال: إن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين، وهو في هذه الحالة باقٍ على معناه الأصلي، فالمعنى الذي أخرجه عن هذا الأصل وجعله مشابهًا لفعل (عرف) في التعدي إلى مفعول واحد هو القدر المشترك بينهما، وهو ما أشار إليه الواحدي في تفسير الآية التي نحن فيها، فقال: "والعلمُ إذا لم يتعلق بالذات اقتضى معلومين، كما تقول: (علمت زيدًا عاقلًا وجوادا)، فلا تقول: (علمت زيدًا) فقط، إلا أن تريد به عرفتُه، وعَلِمتُ مَنْ هو.
والمفعول الثاني ههنا محذوف، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم …
ويحتمل أن يكون العلم ههنا بمعنى معرفة الذات، والتأويل: وليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم؛ أي: ليعرفهم بأعيانهم" (^٣)، فالذي يظهر أن المعنى المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يكتفى فيهما بمفعول واحد هو إرادة الأعيان والذوات، وهو المعنى الفارق بين (عَلِم) التي تتعدى إلى مفعول واحد و(عَلِم) التي تتعدى إلى مفعولين، كما أشار إلى ذلك أبو حيان عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ [الرعد: ٨]، فقال: "و﴿يَعْلَمُ﴾
_________________
(١) ينظر في كتاب مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (ص: ١٧).
(٢) ينظر في تفسير البيضاوي (١/ ١١١) وحاشية السيوطي عليه (٢/ ٣٣٧)، وينظر أيضًا في السراج المنير للشربيني (١/ ١٠٠)، وفي روح البيان لإسماعيل حقي (١/ ٢٤٩).
(٣) التفسير البسيط (٦/ ١٢ - ١٣).
[ ٦٩ ]
هنا متعديةٌ إلى واحد، لأنه لا يراد هنا النسبة، إنما المراد تعلُّق العلم بالمفردات" (^١)؛ أي: الأعيان والذوات، فالأصل في (عَلِم) أن يُراد بها إفادة النسبة بين شيئين، فلذلك تتعدى إلى مفعولين، وتفيد نسبة أحدهما إلى الآخر واتصافه به، فقولك (علمتُ زيدًا قائمًا) يفيد اتصاف زيد بالقيام، فإذا لم يكن المراد إفادة النسبة بين شيئين وكان المراد معرفة ذات الشيء وعينه فإن (عَلِم) تتعدى إلى مفعول واحد (^٢).
ويظهر من كلام السمين الحلبي أن هذا المعنى المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يكتفى فيهما بمفعول واحد (وهو إرادة الأعيان والذوات) لا يليق بالله ﷿، فإنه أشار إليه في سياق الاعتراض على القول الآخر كما سبق ذكره (^٣)، وقد أشار إلى هذا المعنى من قبله السهيلي، وعلل ذلك بأن علم الله ﷿ واحد لا يتغير بتغير المعلومات، فيتعلق بالأشياء كلها تعلُّقا واحدًا، ولا يتغير فيتعلق بعينٍ معينة، ويتعلق بعينٍ أخرى، بل يعلم الأشياء كلها بعلم واحد (^٤)، وقد ردَّ عليه ابن القيم في هذا وذكر أن أهل التحقيق على خلاف هذا القول، وأن المعلومات متغايرة، وأن لكل معلومٍ علم يخصُّه (^٥).
فالذي يظهر أن الاعتراض الذي ذكره السمين الحلبي لا يَرِد في هذه المسألة، وإنما يَرِد إذا وُصف الله بأنه عارف (بلفظ المعرفة وليس بلفظ العلم)، فهنا يقال: لا يجوز أن يوصف الله بالمعرفة (^٦)؛ هذا من حيث الوصف، أما الإخبار عن الله بأنه يعرف فهذا أوسع؛ إذ يدخل في باب الإخبار عن الله ما لا يدخل في باب الأسماء والصفات (^٧)، ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه قال في بعض الذي أصيبوا في الغزو ولم يُعرفوا: «لكن الله يعرفهم» (^٨).
ويمكن أن يتقوَّى القول الذي ذكره السمين الحلبي باعتبار الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى اثنين، كما أشار إليه في قوله: (أنها على بابها فتتعدى لاثنين)، وهذا مبني على القاعدة
_________________
(١) البحر المحيط (٦/ ٣٥٦).
(٢) ينظر في منثور الفوائد لأبي البركات الأنباري (ص: ٤٤)، وتوضيح المقاصد والمسالك للمرادي (١/ ٥٦٤).
(٣) ينظر في الدر المصون (٥/ ٦٣٠).
(٤) ينظر في نتائج الفكر في النحو (ص: ٢٦١).
(٥) ينظر في بدائع الفوائد (٢/ ٦٢).
(٦) ينظر في شرح ألفية ابن مالك للشيخ العثيمين (٢/ ١٥٩).
(٧) ينظر في بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦١).
(٨) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٠٨/ ١٩٣٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٧٩/ ١٧٩٢٩).
[ ٧٠ ]
الترجيحية عنده: (إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى).
وهذا واردٌ إذا كان المراد بالعلم النسبة، أما إذا كان المراد بالعلم الأعيان والذوات فيتعين الاكتفاء بمفعول واحد، وأيضًا فإنه إذا كان في الآية مفعول واحد يستقيم به المعنى فالأولى أن يُكتفى به، لأن إثبات المفعول الثاني يحتاج إلى تقدير، وعدمُ التقدير أولى، كما ذكر الآلوسي.
فالذي يظهر والله أعلم أن هذا هو ضابط الترجيح في هذه الآية وفي غيرها؛ أن العلم إذا أُريد به الأعيان والذوات فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإذا أُريد به النسبة تعدَّى إلى مفعولين.