أما حمل الفعل في الآية على النصب فهو الظاهر من اللفظ، لأنه مفتوح الآخر، ويبقى الأمر في توجيه النصب بحسب المذهبين المذكورين، لكن يجاب عن الاعتراض الذي ذكره الباقولي من أن النصب ليس هو اختيار القراء في مثل ذلك.
فالذي يظهر أن الاختيار ليس له مدخلٌ هنا، فالقراء لا يختارون في القراءات إلا بما ثبت لديهم بالأسانيد، ويجعلون الاختيار حينئذٍ مبنيًا على الأثبت والأضبط لا على موافقة وجه معين من وجوه الإعراب؛ قال أبو عمرو الداني: "وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل" (^٥)، فثبت بهذا أن المقدَّم عندهم هو رعاية الإسناد لا القياس على الحكم الإعرابي في آية أخرى.
ثم لو كانت القراءات في ﴿ويعلم﴾ بكسر الميم وفتحها كلها ثابتة عندهم وكان اختيار الجزم متفقًا عليه بينهم لمَا عدلوا عن الكسر إلى الفتح كما ذكر الباقولي، لأن الكسر أدلُّ على الجزم من الفتح، فإنه يلزم كل من أراد الجزم وفتح الميم أن يبين التوجيه في فتح الميم لئلا يُظن أن
_________________
(١) ينظر في إبراز المعاني لأبي شامة (ص: ٦٧٥)، وحاشية الصبان على شرح الأشموني (٣/ ٤٤٩).
(٢) وهي قراءة الحسن وغيره، ينظر في مختصر ابن خالويه (ص: ٢٩)، والكامل للهذلي (ص: ٥١٨ - ٥١٩).
(٣) ينظر في تفسير أبي السعود (٢/ ٩١).
(٤) ينظر في كشف المشكلات لجامع العلوم الباقولي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٥) جامع البيان في القراءات السبع (٢/ ٨٦٠).
[ ٧٥ ]
الفعل منصوب، ولو كان التوجيه الذي ذكره الباقولي في سبب عدول القراء عن الكسر معهودًا بينهم لكان مستفيضًا عندهم ولثبت له عدة شواهد، لكنه لم يذكر له شاهدًا إلا في قراءة شاذة رويت عن ابن عامر، وسيأتي الكلام عنها.
ومن هذا يتبين أن القول بالجزم في قوله ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ وإن قلنا بصحة أدلته من الاستشهاد بقراءة الجزم والاستشهاد بطريقة القراء إلا أنه يَرِد عليه إشكالان:
الأول: أن التوجيهات المذكورة في فتح الميم (إما لأجل خفة الفتح، أو لأجل الإتباع) ضعيفةٌ في مقابل قوة القول بالنصب وشهرته بين أهل العلم، ففيه المذهبان المشهوران.
والثاني: أن التوجيهات المذكورة في فتح الميم لا تناسب المحل هنا، لأن الميم هنا في آخر الكلمة، وآخر الكلمة هنا هو علامة الإعراب، ففتح الميم يدل على النصب، ولو كانت التوجيهات سائغة في محل آخر لم تكن سائغة هنا لأن هذا يتعارض مع الإفصاح عن الكلام وبيان المعنى المراد، فاستعمال خفة الفتح أو الإتباع لا يناسب أن يكون في آخر الكلمة الذي هو محل الإعراب وبيان المعنى المراد.
وأيضًا، فإن الإعراب هو تغيير أواخر الكلِم، فلا يسوغ أن يلحقه تغييرٌ آخر بعده، لأنه إذا كان المراد الجزم هنا فإن الأصل في الميم أن تكون ساكنة، ثم إنها تحرَّكت بالكسر لأجل التقاء الساكنين بناء على الأصل في ذلك، ثم تحرَّكت بالفتح لأجل خفته أو لأجل الإتباع، فحصل منه توالي التغيير على محل الإعراب (^١).
وأما تغيير الحركة بالفتح لأجل التقاء الساكنين فهو خلاف الأصل، ولعله لأجل هذا اعترض محيي الدين درويش على من قال بالجزم وغلَّظ القولَ في ذلك (^٢).
وأما ما استشهد به الباقولي من القراءة الشاذة التي رويت عن ابن عامر (ثم يجعَلَه حطامًا)، فمع أنها شاذة، فإن أهل العلم قد ضعفوها (^٣)، بل إن السمين الحلبي حملها على النصب كما هو ظاهر اللفظ، وذكر أن سبب ضعفها أنه لم يتقدم في الآية ناصب (^٤)، وقد ردَّ أبو البركات
_________________
(١) ينظر في الكشف لمكي بن أبي طالب (١/ ٢٤٢) فإنه ذكر الفرق بين حركة الإعراب وحركة البناء بأن حركة الإعراب تدل على معنى بخلاف حركة البناء غالبًا، وأن حركة الإعراب هي تغيير فلا يجوز أن يلحقها تغيير آخر.
(٢) ينظر في إعراب القرآن وبيانه (٢/ ٦١).
(٣) ينظر في الكامل للهُذلي (ص: ٦٣٠)، والبيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات الأنباري (٢/ ٣٢٣).
(٤) الدر المصون (٩/ ٤٢١).
[ ٧٦ ]
الأنباري على الباقولي في توجيهه لها بأن اللام فُتحت تبعًا للعين ثم قال: "وليس في توجيهها قولٌ مرضيٌّ جارٍ على القياس" (^١)، وذكر في موضع آخر أن الإتباع إنما جاء في ألفاظ يسيرةٍ لا يُعتد بها ولا يُقاس عليها (^٢).
وبمثل ما سبق يقال في الرد على من يستشهد بقراءة فتح الميم في نفس الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، فقد قرئت بفتح الميم: (ولمَّا يعلمَ الله) (^٣)، وقد ذُكر فيها توجيهٌ آخر غير ما سبق، وهو أن أصل الكلمة (يعلمَن) على إرادة التأكيد بنون التوكيد الخفيفة، فحُذفت النون وبقيت حركة الفتح كما لو كان الفعل مؤكدًا بها (^٤)، وهذا مبني على جواز تأكيد المجزوم بـ (لم) وهو قليل جدًّا (^٥).
وقد استبعد أهل العلم هذا الوجه وذكروا أنه لم يُذكر في قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بسبب بُعده ولإمكان الحمل على الوجه الصحيح الشائع (^٦)، فمثل هذه التوجيهات إنما يُلجأ إليها إذا ثبتت القراءة ولم توافق الحكم الإعرابي الظاهر منها، أما إذا وافقت القراءة وجهًا من الأوجه المعتبرة عند أهل العلم، فلا داعي أن تُصرف عنه إلى غيره.