أما القول بأن الجملة مستأنفة فإنه يحتاج إلى صرف متعلَّق النظر إلى أمرٍ غير الذي ذُكر في السياق وهو الموت أو أسبابه، ولم أقف على دليل يُوجب ذلك، أو أنه يحتاج إلى صرف معنى النظر عما وُضع له في الأصل وهو الإبصار، فيكون النظر بمعنى التأمل أو نحوه، وإبقاء الشيء على موضوعه الأصلي أولى.
وأما ما ذكره أبو بكر الأنباري من أن الرؤية تكون بمعنى الملاقاة فلا يظهر في اللغة أن
_________________
(١) ينظر في المحرر الوجيز (١/ ٥١٦).
(٢) ينظر في معاني القرآن للأخفش (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٧٣)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٦٢)، وتفسير الثعالبي (٢/ ١١٦)، ونظم الدرر للبقاعي (٥/ ٨٢).
[ ٨٦ ]
تكون الرؤية بهذا المعنى، ولعل الذي حمله على ذلك أن معنى الملاقاة قد ذُكر قبل ذلك في الآية في قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾، فحمل معنى الرؤية عليه، لكن الذي ذكره المفسرون في الآية هو أنه جاء فيها إيثار معنى الرؤية في قوله ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ على معنى الملاقاة لبيان شدة المعاينة (^١)، فمعنى الرؤية مقصودٌ في الآية فلا يُحمل على غيره.
بقي الإجابة عن قاعدة (التأسيس أولى من التأكيد)، فإما أن يجاب عنها بما ذكره الشيخ العثيمين في المسألة السابقة، أو يقال بأن السياق يدل على التأكيد لأنه كما تقدَّم في إثبات أمرٍ تمنوه، فأكَّد الله ثبوته وعاتبهم في ذلك، فلعل التأكيد أبلغ في السياق، وهو أقرب للظاهر.