الذي يظهر من حيث قوة الأدلة أن أقواها ما يتعلق بسبب النزول وسياق الآيات، فإن سبب النزول وسياق الآيات من الأدلة المقدَّمة في الترجيح عند التعارض (^٤)، وهذان الدليلان يعضدان القول الأول في أن القتل في الآية يتعلق بالأنبياء، أما القول بأن القتل في الآية يتعلق بالربيين فقط، وأن هذا أنسب مع نزول الآيات، لأنه قد قُتل من الصحابة في غزوة أحد جمعٌ كثير، ولم يقتل فيها النبي ﷺ= فهذا غير ظاهر، فإن الروايات في سبب النزول ذكرت ما أُشيع من مقتل النبي ﷺ، ولم تذكر مقتل عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم (^٥).
لكن القول بأن من الأنبياء من قُتل في حرب وإثبات ذلك في الآية عليه اعتراضات أربعة:
الاعتراض الأول: أن الاستدلال بسبب النزول لو كان يتعيَّن منه ذكر قتلِ نبيٍّ لكانت قراءة الجمهور ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ جاريةً على خلاف المتعين؛ إذ ليس فيها إشارة إلى القتل، وإنما هي في المقاتلة (^٦).
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله تعالى في آخر الآية ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
_________________
(١) مستفاد مما ذكره القرطبي في تفسيره (٤/ ٢٢٩)، والظاهر من عبارته ترجيح أن القتل وقع على النبي وعلى من معه.
(٢) وهي قراءة قتادة، ينظر في مختصر ابن خالويه (ص: ٢٩)، وشواذ القراءات للكرماني (ص: ١٢٢).
(٣) ينظر في المحتسب لابن جني (١/ ١٧٣)، والكشاف للزمخشري (١/ ٤٢٤)، فقد استدل بهذا المعنى ولم يظهر من بقية كلامه ترجيحه لما استدل له، وينظر فيما ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ٥٢٠).
(٤) ينظر في قواعد الترجيح عند المفسرين للدكتور حسين بن علي الحربي (١/ ٦٠ - ٦٢).
(٥) ينظر فيما رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٩٨ - ١٠٥)، وابن المنذر في تفسيره (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٧٨).
(٦) ينظر في أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢١٤).
[ ٩١ ]
اللَّهِ﴾ فيه إشارة إلى مقتل نبيهم بذكر المصيبة التي نزلت فيهم، وقراءةُ ﴿قُتل﴾ تبيِّن أن المصيبة هي مقتل نبيهم، وليس الاستدلال بسبب النزول على أنه يتعين منه أن يذكر قتل نبيٍّ في هذه الآية بالتحديد، لكن الاستدلال بسبب النزول هو في تعيين المقتول الذي لم يُذكر في قراءة ﴿وكأين من نبي قُتل معه ربيون﴾، ثم إنه قد جاءت الإشارة إلى قتل النبي في آية أخرى في سياق الآيات التي نزلت وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (^١).
وأما الاستدلال بقراءة (قُتِّل) وما فيها من التكثير الذي يدل على أن الفعل واقعٌ على الربيين، فقد ضعَّف السمين الحلبي الاستدلال بهذه القراءة من وجهين (^٢):
الأول: أن قوله تعالى قبل ذلك ﴿وَكَأَيِّن﴾ هو بمنزلة (كم) في الدلالة على التكثير، فلفظ ﴿نَّبِيٍّ﴾ وإن كان مفردًا فهو في معنى الجمع (^٣).
والثاني: أن التشديد للمبالغة، نحو: ذبَّحت الكبش.
الاعتراض الثاني: ما ذكره الحسن وابن جبير بأنه لم يُسمع عن نبيٍّ أنه قُتل في حرب، وما ذكره أهل العلم بأن الآية تقتضي التكثير، كما دل عليه قوله: ﴿وَكَأَيِّن﴾، فلو كان قتل الأنبياء كثيرًا لاشتهر وأمكن سماعه، وأيضًا فلو كان معنى الآية أن الأنبياء قتلوا فإن قوله ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ يقتضي أن كل واحد من هؤلاء الأنبياء جاهد معه عدد كبير، وهذا لا يُعرَف (^٤).
ويمكن الجواب عن هذا كله بأن عدم السماع والشهرة لا يدل على نفي الأمر، بل قد أخبر الله نبيه أن من الأنبياء من لم يصله نبأهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ
_________________
(١) وقد ذكر الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٢٥) هذه الآية من ضمن الآيات التي نزلت في السبب المذكور.
(٢) ينظر في القول الوجيز، (آل عمران: ١٠٦ – ١٥٦)، تحقيق: يعقوب مصطفى سي (ص: ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٣) ورُدَّ بأن ﴿نبي﴾ مفردٌ لفظًا ومعنًى بدليل عود الضمير المفرد في ﴿معه﴾؛ ينظر في المحتسب لابن جني (١/ ١٧٣)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٢٠)، وحاشية الشهاب على البيضاوي (٣/ ٦٩)، وروح المعاني للآلوسي (٢/ ٢٩٦)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢١٢)، وهذا الرد غير مُلزِم؛ ينظر في البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٧١).
(٤) أشار إليه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/ ٥٩)، وقد تقدم بيان القول الذي يرجحه في مجموع اختياراته.
[ ٩٢ ]
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] (^١)، وأما القول بأنه لا يُعلم عن نبيٍّ أنه قاتل معه عدد كبير، فهذا يُردُّ عليه بنص الآية في قراءة (قاتَل)؛ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، فإن الآية تدل على أنه قد قاتل مع الأنبياء جموع كثيرة.
الاعتراض الثالث: أن سياق الآية في الاحتجاج على الصحابة ومعاتبتهم بها على ما كان منهم يوم أُحد بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ، والآية لا تكون حجة على الصحابة إذا كان المراد بها أن الأنبياء قُتلوا وبقي من بعدهم ربيون كثيرٌ لم يقتلوا، فيقول الصحابة: إنهم لم يَهِنوا لما أصابهم لأنهم كثير، وكثرتهم تقتضي قوتهم، أما نحن فقليلٌ عددنا (^٢).
ويمكن الجواب عنه بأن الاحتجاج بالآية في معاتبة الصحابة ﵃ هو من وجه ذكر المَثَل بأن الذين ثبتوا بعد مقتل الأنبياء السابقين كثير وجعل هذا في مقابل القِلَّة التي ثبتت بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ، وليس المراد بالتكثير مقابلةُ عدد الجنود بين الصحابة ومن قبلهم.
الاعتراض الرابع: ما ثبت من غَلَبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، والمقتول ليس بغالب كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، فجعلهم قسمين؛ مقتولٌ وغالب، ولا يجتمع القسمان في ذاتٍ واحدة بأن تكون مقتولة وغالبة في نفس الوقت، وعليه فإن النبي لا يُقتل في حرب لأنه لا يُغلب (^٣).
ويمكن الجواب عنه بأن قوله تعالى ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما﴾ لا يقتضي أن يكون معنى القتل ومعنى الغلبة كالضدين بحيث لا يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدة، بل هو في ذكر المآل للأحوال التي يكون عليها الأجر في القتال، فالذي يقاتل في سبيل الله مأجور سواء الذي قُتل واستشهد والذي انتصر وغَلَب، وهذا التقسيم متعلق بالآيات التي قبله في الرد على المنافقين لمَّا فرَّقوا بين الأمرين ورغبوا أن
_________________
(١) أشار إليه رشيد رضا في تفسير المنار (٤/ ١٤١).
(٢) أشار إليه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/ ٥٩).
(٣) ينظر في أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢١٠ - ٢١١).
[ ٩٣ ]
يكون قتالهم في حال الغلبة فقط؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ٧٢ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ٧٣ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٤].
ثم إن الأمرين (القتل والغلبة) يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، فقد وعد الله المؤمنين المجاهدين في سبيله هنا بالغلبة، وهذا لا ينافي أنهم يُقتلون، كما يفيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، فأنت ترى أن الله قد قضى للمؤمنين بالغلبة وأنه جعل احتمال القتل عليهم واردًا، فالمقتول يمكن أن يكون غالبًا؛ قال السدي عند قوله تعالى ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]: "قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم" (^١).
ولو حملنا الوعد بالغلبة في الآية هنا على هزم الأعداء في ذات المعركة، فقد تكون تلك الغلبة بعد مقتل الأنبياء، كما يشير إليه قوله تعالى ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾.