بالنظر إلى تصريف اللفظ واشتقاقه فإن القياس أن يكون وزن الكلمة (استفعل)، لأنه لا يرد على هذه الوزن إشكال، بخلاف الوزن الآخر (افتعل) من (سكن)، فإنه يرد عليه عدة إشكالات:
الأول: أن القياس فيه أن تكون الكلمة (استكن) وليس (استكان) بزيادة حرف المد، فإن قيل إن ذلك لأجل الإشباع فإن الإشباع لا يقع على هذا النحو من غير ضرورة (^٢).
الثاني: أن زيادة الحرف المد وقعت في جميع تصاريف الكلمة: (استكان يستكين فهو مستكين ومستكان استكانة) (^٣).
الثالث: أن وزن (افتعل) لا يكون مصدره (افتعاله) كما في (استكانة)، وأما وزن (استفعل) فإنه يمكن أن يكون مصدره (استفعاله) مثل (استقامة) (^٤).
وقد أجاب السمين الحلبي هنا عن الإشكال الأول بأنه قد جاءت القراءة بالإشباع في كلمة (أفئدة) عن هشام: ﴿فاجعل أفئيدة من الناس﴾ (^٥)، فالإشباع واقع في القراءات السبع كما ذكر في الدر المصون (^٦)، وأجاب هنالك أيضًا عن الإشكال الثاني بأنه قد يثبت
_________________
(١) ينظر في تفسير الثعلبي (٩/ ٣٢٣)، وتفسير القرطبي (٤/ ٢٣٠)، والبحر المديد لابن عجيبة (١/ ٤١٧)، وتفسير المنار لرشيد رضا (٤/ ١٤١).
(٢) ينظر في البيان لأبي البركات الأنباري (٢/ ١٨٧).
(٣) ينظر في المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي (ص: ١١٥).
(٤) ينظر في الشافية لابن الحاجب (ص: ٨٩)، والبحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٧٧)، ومجموعة الشافية (٢/ ٢٥٦).
(٥) ينظر تفصيله في جامع البيان لأبي عمرو الداني (٣/ ١٢٥٩)، والنشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٩ – ٣٠٠).
(٦) ينظر في الدر المصون (٣/ ٤٣٢)، وفيه رد على من ضعف هذه القراءة: (٧/ ١١٢ – ١١٣).
[ ٩٩ ]
الحرف الزائد في تصاريف الكلمة كما ثبتت الميم الزائدة في تصاريف كلمة (تمندل) و(تمدرع)، والجوابان كلاهما لا يجعلان هذا التصريف هو الأصل إذا أمكن الحمل على غيره، وإن كانت القراءة تدل على أن الإشباع يقع في غير الضرورة، فإنها لا تجعل الإشباع هو الأصل، وكذلك يقال في ثبوت الزيادة في تصاريف (تمندل) و(تمدرع). هذا وقد بقي الإشكال الثالث لم أجد له جوابًا.
فإذا استقام تصريف الكلمة على وزن (استفعل) فقد بقي إثبات المناسبة في المعنى في (الكون) أو (الكين)، بحيث يناسب معناهما معنى الاستكانة وهي الذل الخضوع.
فأما (الكون) فقد ذكروا في معنى الاستكانة بناء عليه أنها الانتقال من كون إلى كون، كما تقول في استحال أنه انتقل من حال إلى حال (^١)، وذكر بعضهم معنى الاستكانة في الآية أنهم ما ضعفوا ولا كانوا قريبًا من ذلك (^٢)، وقال بعضهم في معنى استكانوا أنهم طلبوا من أنفسهم أن يكونوا لمن يخضعون له (^٣)، وذكروا أن ذلك من قول العرب: كنت لك، إذا خضعت (^٤)، ولا تظهر مناسبتها لمعنى الذل والخضوع فالانتقال من كون إلى كون لا يلزم منه ذلك، بل قد يكون الانتقال إلى ما هو أفضل، وقولهم (لم يضعفوا ولا كانوا قريبًا من ذلك) لم يزد على معنى (كان) شيئًا، ولم يدل على معنى الذل والخضوع وإنما دل على ذلك السياق، وكذلك قولهم: (كنت لك)، فإن الكون هنا لم يفد معنى الخضوع، وإنما الذي أفاد ذلك هو تعَدِّيه باللام.
واستشهد بعضهم بالحديث أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر يتعوذ من الحَور بعد الكون (بالنون) (^٥)، ومعناه أن يرجع عن الاستقامة بعد ما كان عليها، فالكون هو الحالة التي فيها إنابةٌ وذلٌّ وخضوع (^٦)، ولا يظهر من الحديث معنى الذل والخضوع، بل هو أن يكون المرء على حالة حسنة فيتعوذ بالله من العدول عنها، وهو راجع إلى معنى
_________________
(١) ينظر في الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٧).
(٢) ينظر في المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٢١).
(٣) ينظر في تفسير البيضاوي (٢/ ٤٢).
(٤) ينظر في حاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ص: ٧١٢).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٩٧٩/ ١٣٤٣) عن عبد الله بن سرجس، والمشهور نطقها بالنون؛ كما في تاريخ ابن معين برواية الدوري (٣/ ٥٦٥)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ٣٥٣)، وشرح النووي لمسلم (٩/ ١١١).
(٦) ينظر في روضة المحبين لابن القيم (ص: ٤١).
[ ١٠٠ ]
(كان) مأخوذ من قولهم: كان الرجل كذا وكذا ثم يتحول عن ذلك (^١).
وذكر بعضهم في هذه المسألة أن الكون هو الذل، ولم يبين وجهه، ولا يظهر هذا المعنى فيما يذكره أهل اللغة في مادة (كون) (^٢).
وأما (الكَين) فإنه في الأصل يدل على باطن الشيء، فيطلق على باطن العين (^٣)، ويطلق على باطن فرج المرأة (^٤)، وهو المعهود من هذا اللفظ، ونقل بعضهم قولًا بأنه يمكن حمل الاستكانة عليه بالنظر إلى ذُلِّ ذلك الموضع ومهانته (^٥)، وهذا بعيد، ولو قيل بأن الكين قد يحتمل الذل على هذا الوجه فإنه ذُلٌّ دنيءٌ في أصله ومذموم، لا يليق أن يحمل عليه الذل المحمود في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾.
وما ذكره السمين الحلبي من باب (الرجل بِكِيْنَةِ سوء) بكسر الكاف؛ أي: بحالة سوء، فإن هذا في الأصل يرجع إلى مادة (كون)، لكن قُلبت الواو ياءً لأجل كسرة الكاف (^٦)، وهو الموافق لمعنى (الكون) فإن الكِينة هي الحالة، وقد يُعبَّر عن الكون بأنه الحالة الماضية، وكذلك قولهم: أكانه يكينه؛ إذا ضعَّفه، فالذي يظهر أنه يرجع إلى ذلك، والتعبير عن معناه بالضعف والخضوع لغة غير مشهورة، "ولو كانت هذه اللغة مشهورة لكانت أحسن الوجوه" (^٧).
وبالنظر في معنى السكون يظهر أن مادته أقرب المواد إلى معنى الاستكانة، فإن الخاضع الذليل يغلب عليه السكون وترك الحركة، وقد روي عن ابن عباس في الآية: ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ أنه قال: "تخشَّعوا" (^٨)، والسكون ملازمٌ للخشوع، بل قد يُعبَّر عن الخشوع بأنه
_________________
(١) وهذا الذي فهمه رواة الحديث، كما ذكره عنهم الخطابي في غريب الحديث (٢/ ١٩٤).
(٢) ينظر في التبيان لأبي البقاء العكبري (١/ ٣٠٠) وتبعه السمين الحلبي في الدر المصون (٣/ ٤٣٢)، ولم يتبين لي وجهه، والسمين الحلبي قد عبَّر عن (الكون) بـ (كان) في عمدة الحفاظ (٣/ ٤٤٠).
(٣) ينظر في المعجم الاشتقاقي المؤصل (مادة: كين): (٤/ ٢٣٥٦).
(٤) ينظر (مادة: كين) في العين للخليل (٥/ ٤١٢)، وجمهرة اللغة لابن دريد (٢/ ٩٨٥)، ومقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٥١).
(٥) ينظر في الخصائص لابن جني (٣/ ٣٢٧).
(٦) ينظر في الحجة لأبي علي الفارسي (٦/ ٦٧)، ومقاييس اللغة لابن فارس (مادة: كين): (٥/ ١٥١).
(٧) ذكره الخضر اليزدي في شرح الشافية (١/ ٥٣).
(٨) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١١٩)، وابن المنذر في تفسيره (١/ ٤٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٨٢).
[ ١٠١ ]
السكون، كما ذكر ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ﴾ [طه: ١٠٨]، قال: "سكنت" (^١)، وقال الواحدي: "أصل الخشوع في اللغة: السكون" (^٢).
وفي قصة الثلاثة الذين خُلفوا، قال فيها كعب بن مالك: "فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم" (^٣)، فجعل الاستكانة مع القعود، وجعل في مقابلها الصبوَة والجلَد، وفي رواية أخرى: "فأما صاحباي فاستكنا" من غير حرف المد (^٤)، فإن كانت ترجع إلى الاستكانة ففيها دليل على أن أصلها من السكون وأن المد فيها لأجل الإشباع.