هذه المسألة تنبني على تحديد المراد بالكافرين في الآية؛ قال الطيبي: "اعلم أن التعريف في قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إذا حُمل على العهد فالمخاطبون أصحاب الرسول ﷺ، ثم المراد بالذين كفروا إما المنافقون … أو أهل الكتاب … أو المشركون …، وإذا حُمل على الجنس فالمخاطبون جماعة المسلمين في جميع الأزمنة، كما أن الكفار عام في اليهود والمنافقين والمشركين" (^١)، وعليه فإنه إذا ثبت تحديد الذين كفروا في الآية فإنه يبطل الاستدلال بظاهر لفظها أن الخطاب فيها ابتداءً لجميع المؤمنين.
كما أن السياق يشير إلى أن الآية في غزوة أحد، بدليل الآيات التي قبلها فإنها نزلت بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ، ودعا بعضهم إلى الاستسلام للمشركين (^٢)، وكذلك الآية التي بعدها كما روى ابن عباس في قوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] أنها في أبي سفيان (^٣)، فتكون هذه الآية في المؤمنين الذين في غزوة أُحدٍ كذلك.
ومقتضى مجموع الروايات في الآية أن المراد بالذين كفروا هم المشركون والمنافقون واليهود والنصارى، وأقربهم فيما يظهر المشركون، لأن الآية في سياق غزوة أُحد فهي تشير إلى الكفار المحاربين، والكفار المحاربون إذ ذاك هم المشركون، والآيات السابقة هي في الكفار المحاربين وأن الربيين لم يستكينوا لهم ولم يطيعوهم بعد مقتل أنبيائهم، وطلبوا من الله أن ينصرهم عليهم،
_________________
(١) حاشية الطيبي على الكشاف (٤/ ٢٩٧).
(٢) ينظر في أسباب النزول للواحدي (ص: ١٢٥) ومجموع الروايات في تفسير الطبري (٦/ ٩٨ - ١٠٥).
(٣) ينظر في تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧٨٥).
[ ١٠٦ ]
والآيات اللاحقة أصرح في تحديد المشركين ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾، فالأنسب أن يكون المراد بالذين كفروا في الآيتين واحد.
كما أن قوله تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] يشير إلى ذلك؛ أي: فأطيعوا الله مولاكم ولا تطيعوا الذين كفروا فهو خير الناصرين، فسينصركم عليهم في ميادين القتال، ثم أشار إلى ذلك النصر وأنه النصر بالرعب.
وهذا لا يدل على إهمال ما ذكره المفسرون من أن الآية في المنافقين بسبب مقولتهم في الدعوة إلى الكفر، فإن المنافقين استغلوا الموقف في غزوة أُحد ودعوا إلى طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم، فجاءت هذه الآية في الرد على المنافقين بالنهي عن طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم.
وأما اليهود والنصارى فليس لهم ذكر في سياق هذه الآيات، وقد سبق التصريح بالنهي عن طاعتهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، ويحمل ما ذكره ابن جريح على أنه تعليقٌ على الآية واستشهاد بعمومها في النهي عن طاعة الكافرين، وهذا هو الظاهر من صنيع ابن أبي حاتم في تفسيره، فإنه اقتصر في قوله تعالى ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على رواية السدي في أنهم المشركون، ولم يذكر في ذلك وجهًا آخر، ثم جعل رواية ابن جريج تابعة للروايات في التعليق على قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (^١).