المبحث الأول
في تسبيح الله ذاته عند الحديث عن معجزة الإسراء:
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ i.
مطلب: في بيان وجه الحكمة بمجيء التسبيح في هذا المقام:
إنّ لمجيء تسبيح الله ذاته العليّة في مقام الحديث عن معجزة الإسراء حكمًا ودلالات منها:
- إنّه لمّا صدر عن المشركين تكذيب الرسول ﷺ حين أخبرهم بحادثة الإسراء والمعراج وزعموا أنّ ما قاله لا يمكن له الحدوث البتة نزه الله ذاته العلية عن العجز والنقص في قدرته، إذ هو القادر على كل أمرٍ ولا يعجزه شيء، فما أخبر به نبيه ﷺ هو حق وصدق. وهو منزه أيضًا عن أن يتخذ رسولًا كذابًا، بل إنّ ذلك – أيضًا - من نعمه تعالى على حبيبه وصفيّه محمدصلى الله عليه وسلم ii.
- وإنّ افتتاح هذه الآية الكريمة في أول سورة الإسراء بالتسبيح من دون سبق كلام يتضمّن ما يجب تنزيه الله عنه ما يؤذن بأن خبرًا عجيبًا يستقبله السامعون دالٌ على عظيم القدرة من المتكلّم ورفيع منزلة المتحدّث عنه. وهذا على ما يدلّ عليه لفظ (سبحان) من معنى التعجب، وهو من استعمالاته
_________________
(١) i سورة الإسراء: الآية (١) . ii انظر: تفسير البغوي ج٣ ص٩٢؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص٢؛ زاد المسير لابن الجوزي ج٥ ص٤؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص١٨٣؛ تفسير السعدي ج٤ ص٢٥٨.
[ ١٠٥ ]
عند العرب كما سبق وأن أشرت إليه i. وفي هذا يقول صاحب نظم الدرر: "وفيه إيماء إلى التعجب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حدِّ لايمكن استيفاء وصفه"ii.
- ثم إنّ من دلالات التسبيح – ههنا - أن الإسراء كان بروحه وجسده ﷺ لأنّه إنّما يكون التسبيح عند الأمور العظام، فلو كان منامًا كما قال البعض لم يكن له كبير شأن حتى يتعجّب منه iii.
_________________
(١) i انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص٩. ii نظم الدرر للبقاعي: ج٤ص٣٢٨. iii انظر: أضواء البيان للشنقيطي ج٣ ص٣٩١.
[ ١٠٦ ]