قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
مطلب في بيان الآية ووجه الصلة بما قبلها:
هذه الآية الكريمة بما جاء في خاتمتها من تسبيح الله ذاته العليّة تأتي في ختام حملة متلاحقة قوية -ضد المشركين- تدحض كلّ ما يقابلها من شبهة واهية تشبثوا بها أو حجة تمسّكوا بها.. وابتدأت هذه الحملة في جولاتها ب (أم) الاستفهامية التي يقصد منها التوبيخ والإنكار٢. وكانت هذه الآية هي الجولة الثالثة عشر التي اتسمت بهذا الأسلوب في هذه السورة، وبها جُرِّد المشركون من كلّ شبهاتهم وحججهم التي لا أساس لها من الصحة والواقع. يقول ابن عاشور: "هذا آخر سهم في كنانة الردّ عليهم، وأشدّ رمي لشبح كفرهم، وهو شبح الإشراك، وهو أجمع ضلال تنضوي تحته الضلالات وهو إشراكهم مع الله آلهة أخرى.."٣.
وهذه الجولة الخاتمة تعتبر المقصود الأعلى لهذه الآيات المتلاحقة إذ هي في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية.
وإنّ المتأمِّل في الآيات السابقة من قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٤ يجدها قد جاءت مرتبة متدرجة تفضي كلّ منها إلى ما بعدها لتحقيق المقصود، ولسامعها المتأمّل الطالب للهدى والحق سبيلًا واضحًا مبرهنًا للإيمان
_________________
(١) ١ سورة الطور: الآية (٤٣) . ٢ انظر: تفسير البغوي ج٤ ص٢٤٢؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٤٤؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٤ ص٢٢١. ٣ التحرير والتنوير لابن عاشور: ج٢٧ ص٧٨. ٤ سورة الطور: الآية (٣٠) والمراد إلى آية (٤٣) .
[ ٥٩ ]
بالله. ولذلك ورَد أنّ جبير بن مطعم ﵁ كان من سبب دخوله في الإسلام سماعه لهذه الآيات ورسول الله ﷺ يقرؤها. وفيه ما روى البخاري في صحيحه بسنده إلى جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير"١.
- وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ﴾ نفي الحصول من أصله أي ليس لهم في الواقع إله غير الله٢.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وغايته:
تنزيه الله ذاته الكريمة ههنا بمثابة الإتمام والتنهية للمقصود الأعلى الذي تصدّرت به الآية. وبه يكمل فضح حال المشركين وإلزامهم الحجة والبرهان وأن لم يبق لهم من بعد عذر٣.
قال ابن كثير في تفسيره: "ثمّ نزه الله نفسه الكريمة عمّا يقولون ويفترون ويشركون فقال ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ "٤.
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٤) ج٨ ص٦٠٣. وقوله (كاد قلبي أن يطير) قال فيه الخطابي: كأنّه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه. ثمّ قال في آخر كلامه: ومال إلى الإسلام أي بسببها. (فتح الباري ج٨ ص٦٠٣) وعند ابن كثير: أنّ هذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به، وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى وكان إذ ذاك مشركًا فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام من بعد ذلك (ج٤ ص٢٤٤) . ٢ انظر: حاشية الجمل مع الجلالين ج٤ ص٢٢١. ٣ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٧ ص٧٨؛ فتح القدير للشوكاني ج٥ ص١٠٢. ٤ تفسير ابن كثير: ج٤ ص٢٤٤.
[ ٦٠ ]